أخبار تونسرئيسي

احتجاجات تونس تكشف كلفة حكم قيس سعيّد وتعيد أزمة الشرعية إلى الواجهة

شهدت تونس خلال الأسابيع الأخيرة موجة احتجاجات شعبية واسعة على خلفية الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء الصالح للشرب، لتتحول الأزمة الخدمية إلى اختبار جديد لحكم الرئيس قيس سعيّد، بعد خمس سنوات من انفراده بالسلطة وتراجع دور المؤسسات الرقابية والسياسية.

وتزامنت الاحتجاجات مع الذكرى السنوية الخامسة لانقلاب قيس سعيد على الدستور، في 25 يوليو/تموز 2021، حين جمّد عمل البرلمان وبدأ مساراً سياسياً أدى لاحقاً إلى تركيز السلطات في مؤسسة الرئاسة وتهميش الأجسام الوسيطة.

ويشير تقرير تحليلي أصدره “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، إلى أن الأزمة المعيشية الأخيرة أعادت طرح السؤال حول قدرة السلطة على إدارة الدولة وتحويل وعودها السياسية إلى إنجازات ملموسة.

وتفاقمت أزمة الكهرباء منذ منتصف يوليو/تموز مع موجة حر شديدة، إذ شهدت مناطق تونسية واسعة انقطاعات متكررة استمرت ساعات طويلة يومياً.

وقد أثرت الأزمة في المنازل والمراكز الصحية والإدارات والمصانع والمزارع، وتسببت في أضرار لقطاعات إنتاجية وخدمية، كما انعكس اضطراب الكهرباء على إمدادات المياه بسبب تأثر محطات الضخ والتوزيع.

واستمر الغموض الرسمي أكثر من أسبوع، فيما اكتفت الشركة التونسية للكهرباء والغاز بإصدار بيانات تعلن فيها قطع التيار بالتناوب بين المدن والأحياء، مبررة ذلك بالحاجة إلى “الحفاظ على سلامة وديمومة المنظومة الكهربائية”.

وظهر سعيّد بعد غياب دام عشرة أيام، متحدثاً عن “ظواهر غير عادية” وعن محاولات لـ”التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع”، لكنه لم يوضح الجهات التي حمّلها مسؤولية الأزمة أو طبيعة تلك المحاولات، ما زاد الانتقادات الموجهة إلى السلطة بشأن طريقة تعاملها مع الأزمات.

وتعكس الأزمة اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة، في ظل عدم قدرة الإنتاج على مواكبة الطلب المتزايد خلال الصيف.

ويتطلب تجاوز المشكلة تشخيصاً فنياً واستثماراً في البنية التحتية والطاقة البديلة ووضع استراتيجية بعيدة المدى للأمن الطاقي، بدلاً من الاكتفاء بخطاب سياسي يحمل أطرافاً مجهولة مسؤولية الأزمة.

وامتدت الاحتجاجات من مدن الجنوب الشرقي إلى مناطق أخرى، حيث خرج تونسيون ليلاً وأحرقوا الإطارات وقطعوا الطرق، مطالبين بتوفير الكهرباء والماء وتحسين الخدمات.

ولم تتحول معظم الاحتجاجات إلى مواجهات واسعة مع قوات الأمن، التي اكتفت في غالبية المناطق بالمراقبة، قبل أن يتخذ التحرك منحى سياسياً أكثر وضوحاً في العاصمة.

وشهدت مظاهرة دعا إليها حراك “نفس” مشاركة شبابية وسياسية لافتة، ورفعت شعارات “ارحل” و”الشعب يريد إسقاط النظام”، إلى جانب مطالب بالإفراج عن المعتقلين واستعادة المسار الديمقراطي ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ويكشف هذا التطور عن انتقال الاحتجاج من المطالب الخدمية المباشرة إلى مساءلة طريقة إدارة الدولة نفسها، بعدما بدأت قطاعات مختلفة تربط بين تدهور الخدمات وبين مسار الحكم الذي انتهجه سعيّد منذ 2021.

وسبق أن واجهت تونس نقصاً في الخبز والزيت والسكر والقهوة، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية. كما شهدت أسعار اللحوم الحمراء ارتفاعاً حاداً، فيما تواصلت الصعوبات في توفير الأدوية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة والسرطان، بالتزامن مع تراجع أداء المستشفيات العمومية.

وتواجه مؤسسات عامة أخرى أزمات متراكمة بسبب الديون وشح الاعتمادات وضعف الاستثمار وسوء التسيير، وتشمل هذه الأزمات قطاعات المياه والطاقة والنقل والسكك الحديدية والخطوط الجوية والصحة والمواد الأساسية.

ويحمّل التقرير جانباً من تفاقم الأوضاع لمسار الحكم الفردي الذي أدى إلى حل أو تهميش مؤسسات رقابية ودستورية، بينها المجلس الأعلى للقضاء وهيئة النفاذ إلى المعلومة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والمجالس البلدية، إلى جانب تقليص الدور الرقابي للبرلمان.

ورفع سعيّد منذ وصوله إلى الحكم شعارات مكافحة الفساد واستعادة “مليارات” من الأموال التي قال إنها نُهبت، وأطلق مسار الصلح الجزائي، كما استهدفت السلطات رجال أعمال وسياسيين في قضايا مختلفة.

غير أن هذه السياسات، وفق التقرير، لم تؤد إلى إنهاء عجز الموازنة أو تحقيق التنمية التي وعد بها الرئيس، فيما بقيت مشاريع كبرى أعلنت عنها السلطة، مثل المدن الطبية وشبكات النقل السريع، دون إنجاز ملموس.

ويشير التقرير إلى أن الأزمات المتراكمة أضعفت تدريجياً قاعدة الدعم التي استفاد منها سعيّد بعد إجراءات يوليو/تموز 2021، فيما تحولت مواقف جهات سياسية ومدنية ومنظمات كانت قد أيدت أو ساندت مساره إلى مواقف أكثر انتقاداً للسلطة.

ويحذر التقرير من أن تراجع حدة أزمة الكهرباء لا يعني انتهاء الاحتقان، خصوصاً مع اقتراب العودة المدرسية في سبتمبر/أيلول، وما تفرضه من أعباء إضافية على الأسر ومؤسسات النقل والصحة والتعليم والطاقة.

ويخلص إلى أن استمرار سعيّد في إدارة الأزمات عبر الخطاب الشعبوي، مع إغلاق مسارات الحلول السياسية والدستورية، قد يدفع تونس إلى موجات جديدة من الاحتجاج. وبذلك تتحول أزمة الكهرباء والماء من أزمة خدمات إلى مؤشر سياسي أكثر خطورة، يعيد سؤال الشرعية إلى واجهة المشهد التونسي، ليس فقط من زاوية الانتخابات، وإنما من زاوية قدرة السلطة على الإنجاز وتحسين حياة المواطنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق