تصاعد المؤشّرات على تآكل شرعية وشعبية نظام قيس سعيّد

تتزايد المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس اتساع حالة الاحتقان في تونس بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، وسط تصاعد الانتقادات لأداء السلطة، وتنامي الاحتجاجات، واتساع رقعة المعارضة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وخدمية متفاقمة تلقي بظلالها على المشهد الداخلي.
وشهدت الأشهر الأخيرة بروز تطورات اعتبرها مراقبون مؤشراً على تراجع التأييد الشعبي والسياسي للنظام، بعد أن كان يحظى بدعم واسع في بدايات مساره الاستثنائي، حيث بدأت أطراف سياسية ونقابية ومدنية كانت تختلف أيديولوجياً وسياسياً في توحيد مواقفها داخل تحركات احتجاجية مشتركة، في خطوة تعكس تغيراً في طبيعة الاصطفافات السياسية داخل البلاد.
وبرز هذا التحول خلال التظاهرة التي رفعت شعار “يزي من العبث”، والتي شاركت فيها قوى معارضة متعددة، اتفقت على مجموعة من الأولويات السياسية، أبرزها المطالبة بإنهاء ما تعتبره حالة الانفراد بالسلطة، والدعوة إلى استعادة المسار الديمقراطي. كما لفتت المشاركة الواسعة لشباب لا ينتمون إلى أحزاب سياسية الأنظار، في ظل تنامي الإحباط من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع فرص العمل وغياب الآفاق أمام فئات واسعة من المجتمع.
وفي موازاة ذلك، بدأت تظهر مؤشرات جديدة داخل البرلمان نفسه، حيث تصاعدت انتقادات عدد من النواب للرئيس قيس سعيّد وللحكومة، ووصل الأمر إلى تحميلهما مسؤولية تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية، والمطالبة باستقالة الحكومة، وهو ما اعتبر دليلاً على تصدع المنظومة السياسية التي نشأت بعد 25 يوليو/تموز 2021.
كما أثارت محاولات عدد من النواب تقديم عريضة للمطالبة بعقد جلسة برلمانية جدلاً واسعاً، بعد رفض رئيس البرلمان تسلمها ودعوته مقدميها إلى إرسالها عبر البريد، في واقعة اعتبرها مراقبون سابقة تعكس حجم الخلافات داخل المؤسسة التشريعية، وتراجع الانسجام بين مكونات الحزام السياسي الذي استند إليه الرئيس خلال السنوات الماضية.
وفي السياق ذاته، شهدت تونس تطورات إقليمية زادت من تعقيد المشهد، بعد تصريحات للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حذر فيها من محاولات قال إنها تستهدف تونس لضرب استقرار الجزائر، مؤكداً أن بلاده لن تسمح بانهيار النظام التونسي. وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة داخل تونس، حيث أصدر مئات النشطاء والمثقفين بياناً انتقدوا فيه ما وصفوه بالتدخل في الشأن الداخلي، مؤكدين رفضهم أي وصاية خارجية.
وتزامنت تلك التطورات مع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعمه للرئيس قيس سعيّد، في وقت تحدث فيه إعلاميون مقربون من السلطة عن أدوار إقليمية ودولية لدول تستضيف شخصيات معارضة، وهو ما اعتبره متابعون دليلاً على خروج الأزمة التونسية من إطارها المحلي وتحولها إلى ملف يحظى باهتمام إقليمي متزايد، بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للبلاد.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ازدادت المخاوف من انعكاسات الأزمة السياسية على الوضع المالي، بعد تعليق التداول في البورصة التونسية يومين متتاليين نتيجة مخاوف من موجة بيع واسعة للأسهم، عقب تراجع المؤشر الرئيسي للسوق، وهو ما اعتبره خبراء مؤشراً على هشاشة المناخ الاقتصادي وتزايد القلق لدى المستثمرين.
وتأتي هذه التطورات بعد خمس سنوات من الإجراءات التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، والتي شملت إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان، ثم حلّه لاحقاً، قبل إصدار دستور جديد عام 2022 نقل البلاد إلى نظام رئاسي ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة.
ومنذ ذلك الحين، شهدت تونس موجات متتالية من الملاحقات القضائية التي طالت سياسيين وقضاة وإعلاميين ونشطاء، في ظل انتقادات منظمات حقوقية وأحزاب معارضة اعتبرت أن القضاء أصبح أداة لملاحقة الخصوم السياسيين، بالتزامن مع تضييق متزايد على الحريات العامة وحرية التعبير.
كما تزامن المسار السياسي مع تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حيث ارتفعت معدلات التضخم والأسعار والبطالة، وازدادت أزمات نقص بعض المواد الأساسية، إلى جانب تراجع الخدمات العامة، خصوصاً مع تكرار انقطاعات الكهرباء والمياه خلال فصل الصيف، واستمرار الحرائق في عدد من المناطق، ما عزز الانتقادات الموجهة إلى أداء مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذه الأوضاع، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى المصدر الرئيسي للأخبار بالنسبة لقطاع واسع من التونسيين، وانتشرت خلالها شائعات متكررة حول الوضع الصحي للرئيس قيس سعيّد، الأمر الذي دفعه إلى الظهور علناً في أكثر من مناسبة، دون أن يضع ذلك حداً للتساؤلات التي أثيرت حول إدارة الدولة وآليات اتخاذ القرار.
ويرى محللون أن التأييد الشعبي الذي حظي به سعيّد عند إعلان إجراءاته الاستثنائية ارتبط بحالة السخط من التجربة السياسية التي أعقبت سقوط نظام زين العابدين بن علي، وما رافقها من صراعات بين مؤسسات الحكم وتعثر في إدارة الملفات الاقتصادية، إضافة إلى فقدان الثقة بالأحزاب السياسية، وخاصة البرلمان الذي كان يُنظر إليه باعتباره ساحة للصراعات والتجاذبات.
غير أن السنوات الخمس الماضية شهدت، وفق منتقدي السلطة، انتقال البلاد من أزمة توزيع الصلاحيات إلى حالة من تركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة، مع تعديل النظام الانتخابي، وإضعاف دور الأحزاب، وإعادة تشكيل المؤسسات الدستورية، وإلغاء أو تعديل صلاحيات عدد من الهيئات المستقلة، إلى جانب حل المجلس الأعلى للقضاء، وعزل عشرات القضاة، ونقل اختصاصات قضائية إلى جهات أخرى.
ويعتبر معارضو الرئيس أن هذه السياسات أفضت إلى تقليص المجال السياسي وإضعاف التعددية، في وقت لم تحقق فيه الوعود المتعلقة بتحسين الأوضاع المعيشية أو معالجة الأزمة الاقتصادية، وهو ما انعكس في تصاعد الاحتجاجات واتساع دائرة الانتقادات.
وفي المقابل، يرى مؤيدو الرئيس أن الإجراءات الاستثنائية جاءت لإنهاء حالة الشلل السياسي التي عاشتها البلاد بعد عام 2011، ومكافحة الفساد وإعادة بناء مؤسسات الدولة، مؤكدين أن الإصلاحات تحتاج إلى وقت لتحقيق نتائجها.
وبين هذا وذاك، تبدو تونس أمام مرحلة تتسم بتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية، في ظل استمرار الخلافات الداخلية، وتصاعد التجاذبات الإقليمية، واتساع المطالب بإيجاد مخرج للأزمة عبر حوار سياسي يوازن بين متطلبات الاستقرار والإصلاح، ويحد من تفاقم التحديات التي تواجه البلاد.



