جمعية حقوقية تحذر من استمرار تفكيك استقلال السلطة القضائية في تونس

حذرت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” من استمرار تفكيك استقلال السلطة القضائية في تونس تحت عنوان الإصلاح، مؤكدة أن التحولات السياسية والمؤسساتية التي أعقبت إجراءات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021 أدت إلى تصاعد التدخلات التنفيذية في القضاء، وتوسيع نطاق الملاحقات ذات الطابع السياسي بحق القضاة والمعارضين.
وجاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقدته الجمعية، لتقديم تقريرها الجديد بعنوان “باسم الشعب: تفكيك استقلالية القضاء في تونس بعد 25 يوليو”، والذي رصد أوضاع السلطة القضائية منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد إجراءاته الاستثنائية التي شملت تعليق عمل البرلمان وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة القضائية.
وأوضح التقرير أن السنوات الخمس الماضية شهدت، بحسب الجمعية، أشكالاً متعددة من التضييق والانتهاكات بحق القضاة، إلى جانب فرض قيود على العملين النقابي والمهني، وتزايد المحاكمات ذات الخلفية السياسية التي استهدفت عدداً من القضاة بسبب آرائهم أو نشاطهم النقابي أو مشاركتهم في الشأن العام.
وطالبت الجمعية بالوقف الفوري لجميع أشكال تدخل السلطة التنفيذية في المسارات المهنية للقضاة، بما يشمل قرارات العزل والإجراءات التأديبية، داعية إلى الفصل الواضح بين السلطتين التنفيذية والقضائية، والعمل على إعادة بناء الثقة في المنظومة القضائية.
وقال عضو جمعية “تقاطع” غيلان الجلاصي إن التقرير يوثق مسار القضاء التونسي منذ 25 يوليو/تموز 2021، معتبراً أن إعلان الرئيس قيس سعيّد ترؤسه النيابة العمومية آنذاك كان مؤشراً مبكراً على التحولات التي ستطال المؤسسة القضائية.
وأضاف الجلاصي أن الخطاب السياسي الذي رافق تلك المرحلة ركز على “تطهير القضاء”، لكنه انتهى، بحسب قوله، إلى حل المجلس الأعلى للقضاء بقرار فردي، رغم الحديث الرسمي عن احترام استقلال السلطة القضائية.
وأشار إلى أن المجلس الأعلى للقضاء استُبدل بمجلس مؤقت، بالتزامن مع ما وصفه بحملة تشويه استهدفت القضاة، وعزل عدد منهم، موضحاً أن السلطة لم تنفذ لاحقاً قرار المحكمة الإدارية القاضي بإعادتهم إلى عملهم.
وأكد الجلاصي أن الضغوط امتدت إلى ملاحقة قضاة بسبب تدويناتهم وآرائهم ومشاركتهم في العمل النقابي، فضلاً عن تعطيل مساراتهم المهنية، معتبراً أن القضاء تعرض لتحولات عميقة أثرت على استقلاليته.
وأضاف أن معظم القضايا التي يصفها التقرير بأنها ذات طابع سياسي انتهت بأحكام سجنية مشددة، مشيراً إلى أن طريقة التعامل مع المتهمين في تلك القضايا، ولا سيما في ملف “التآمر على أمن الدولة”، شابتها، بحسب التقرير، انتهاكات مست حق الدفاع وإجراءات التقاضي.
ويتزامن نشر التقرير مع تصاعد الانتقادات السياسية والحقوقية الموجهة إلى السلطة في تونس، في ظل تزايد الاحتجاجات الشعبية واتساع دائرة الغضب من تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، واستمرار أزمات انقطاع المياه والكهرباء في عدد من المناطق.
ويرى معارضون أن البلاد تعيش مرحلة غير مسبوقة من الاحتقان السياسي والاجتماعي، في وقت يتهمون فيه السلطة بالعجز عن تقديم حلول للأزمات المتراكمة، رغم استحواذها على مختلف السلطات منذ عام 2021.
وقال القيادي في جبهة الخلاص الوطني عز الدين الحزقي إن المنظومة الحاكمة “أفلست على جميع المستويات”، معتبراً أن استمرارها في الحكم لم يعد يقدم حلولاً للأزمات التي تعيشها البلاد، بل زاد من تعقيدها.
وأضاف أن تراجع الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، أدى إلى تصاعد الغضب الشعبي، مشيراً إلى أن خطاب التخوين والإقصاء الذي يرافق الحياة السياسية زاد من حالة التوتر، فيما يرى أن تونس تمتلك من الكفاءات ما يؤهلها لمرحلة سياسية جديدة.
واعتبر الحزقي أن المناخ الحالي يشبه الأجواء التي سبقت الثورة التونسية عامي 2010 و2011، موضحاً أن الشارع يشهد حراكاً متصاعداً، إلا أن ما ينقصه، بحسب رأيه، هو وجود قيادة موحدة تقود هذا التحرك.
من جانبه، قال القيادي في الحزب الجمهوري المولدي الفاهم إن المزاج العام في تونس بدأ يتغير بصورة واضحة، مؤكداً أن حتى بعض المؤيدين السابقين للسلطة أصبحوا يوجهون انتقادات لأدائها، معتبراً أن البلاد تتجه نحو مزيد من التدهور.
ودعا الفاهم إلى عقد مؤتمر وطني جامع يبحث مستقبل البلاد ومرحلة ما بعد قيس سعيّد، مؤكداً أن استمرار التمسك بالسلطة في ظل غياب الإصلاحات أصبح جزءاً من الأزمة وليس جزءاً من الحل.
بدورها، قالت عضوة التنسيقية الوطنية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين زينب المرايحي إن المشاركة الواسعة في المسيرة الاحتجاجية الأخيرة تعكس اتساع حالة التململ داخل المجتمع التونسي، معتبرة أن هناك شبه إجماع لدى قطاعات واسعة من التونسيين على ضرورة معالجة الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد.
وأضافت أن المواطنين لم يلمسوا تحسناً في أوضاعهم المعيشية أو الاجتماعية، في وقت تتصاعد فيه المطالب المتعلقة بالحريات والعيش الكريم وتحسين الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه والكهرباء.
أما النائبة السابقة وعضوة تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين منية إبراهيم، فرأت أن تونس تمر بأزمة غير مسبوقة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
واعتبرت أن السلطة التنفيذية لم تنجح خلال سنوات حكمها في الحفاظ على المكتسبات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها استمرارية الخدمات العامة، مشيرة إلى أن تكرار انقطاع المياه والكهرباء يمثل مؤشراً على عمق الأزمة التي تعيشها البلاد.



