أخبار تونسرئيسي

سجين قرطاج.. شواهد تكشف عزلة قيس سعيّد في الحضور الخارجي

تواجه الدبلوماسية التونسية حالة ركود غير مسبوقة في الحضور الخارجي لتونس، مع استمرار غياب رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن أغلب القمم الدولية والإقليمية، واتساع الشغور في البعثات الدبلوماسية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة البلاد على الحفاظ على مكانتها التقليدية في السياسة الخارجية.

ولم يغادر سعيد تونس في أي زيارة خارجية رسمية منذ نحو عام، باستثناء زيارة إلى الجزائر، فيما اقتصرت مشاركاته الخارجية منذ توليه السلطة عام 2019 على عدد محدود من الزيارات حتى بات يوصف شعبيا بأنه “سجين قرطاج”.

ولم يسجل لسعيد حتى الآن سوى حضور قمتين عربيتين، الأولى في الجزائر عام 2022 والثانية في السعودية عام 2023، في حين غاب عن قمم الاتحاد الأفريقي، والدورات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعدد من الاجتماعات الدولية التي اعتادت تونس المشاركة فيها على أعلى المستويات.

ويقول مسؤولون سابقون إن هذا الغياب انعكس بصورة مباشرة على مستوى حضور تونس في الملفات الإقليمية والدولية، وأدى إلى تراجع دورها التقليدي كوسيط ودولة تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى.

بموازاة ذلك يستمر الشغور في عدد كبير من البعثات الدبلوماسية لتونس، إذ تشير تقديرات إلى وجود ما بين 29 و32 مركزاً دبلوماسياً شاغراً، تشمل سفارات وقنصليات عامة وقنصليات في عدد من الدول، بينما تُدار بعثات أخرى بواسطة قائمين بالأعمال بصورة مؤقتة.

ويقلص استمرار هذه الشواغر يقدرة تونس على الدفاع عن مصالحها الخارجية، ويضعف حضورها السياسي والاقتصادي، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه تونس تحديات اقتصادية وسياسية متراكمة، بينما يبرز مراقبون أن الملف الدبلوماسي بات أحد أبرز مظاهر الأزمة، بعد سنوات كانت خلالها تونس تُعرف بسياسة خارجية تقوم على الحياد والانفتاح والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

وصرح وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام بأن ضعف الدبلوماسية التونسية يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، في مقدمتها غياب رئيس الدولة عن أداء دوره الخارجي، مشيراً إلى أن سعيّد لم يعد يشارك في القمم العربية أو الأفريقية أو الدولية، كما لا يقوم بزيارات رسمية إلى الخارج، باستثناء لقاءات محدودة مع بعض دول الجوار أو زيارات بروتوكولية مرتبطة بتقديم واجب العزاء.

وذكر عبد السلام، أن هذا الوضع غير مسبوق منذ استقلال تونس عام 1956، معتبراً أن عدم قيام رئيس الدولة بأي زيارة رسمية منذ نحو عام يعكس حالة من الشلل في إدارة السياسة الخارجية.

كما أرجع عبد السلام حالة الفراغ الدبلوماسي إلى استمرار شغور عشرات المناصب في السفارات والقنصليات، معتبراً أن التأخر في التعيينات يعكس طريقة إدارة تعتمد على اعتبارات الولاء أكثر من الكفاءة، وهو ما أدى إلى إبطاء عمل الجهاز الدبلوماسي.

وبدا واضحا أن السياسة الخارجية التونسية فقدت جزءاً كبيرا من ثوابتها التقليدية، التي ارتكزت لعقود على تجنب سياسة المحاور والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، كما أن الانخراط في اصطفافات إقليمية أضعف هامش الحركة الدبلوماسية للبلاد وأثر على صورتها الخارجية.

وتونس كانت تُنظر إليها بعد ثورة 2011 باعتبارها نموذجاً للانتقال الديمقراطي في المنطقة، تراجعت صورتها بشدة تدريجياً بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد للاستفراد الكامل بالحكم في يوليو/تموز 2021، وما تبعها من انتقادات حقوقية تتعلق بمحاكمة معارضين واعتقال سياسيين وصحفيين ونشطاء.

وقد بات النشاط الخارجي للرئاسة يقتصر في معظمه على استقبال السفراء لتقديم أوراق اعتمادهم، أو عقد لقاءات مع مسؤولين أجانب يزورون تونس، إضافة إلى استقبال عدد محدود من الوزراء، خاصة من الدول الأفريقية، دون تسجيل حضور لافت في الملفات الإقليمية الكبرى.

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس على قدرة تونس في جذب الاستثمارات وتوسيع شراكاتها الاقتصادية، خصوصاً في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة، مؤكدين أن السياسة الخارجية تمثل أحد أدوات دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز العلاقات التجارية والمالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق