
تواجه السلطات التونسية انتقادات حقوقية متصاعدة على خلفية استمرار الملاحقات القضائية بحق المدافعة البارزة عن حقوق الإنسان والرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، وسط مخاوف من تحول القضاء إلى أداة لملاحقة الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في كشف انتهاكات الماضي والمطالبة بالمحاسبة.
وحذرت منظمة العفو الدولية من استمرار استهداف بن سدرين بسبب عملها الحقوقي، مؤكدة أن القضية تثير مخاوف جدية بشأن ارتباط الإجراءات القضائية ضدها بدورها السابق في قيادة مسار العدالة الانتقالية وكشف ملفات الانتهاكات التي شهدتها تونس على مدى عقود.
وقالت المنظمة إنها تتابع بقلق بالغ قضية بن سدرين، معتبرة أن ملاحقة الشخصيات الحقوقية بسبب أنشطتها السلمية في توثيق الانتهاكات والمطالبة بالحقيقة والمساءلة يمثل تهديداً مباشراً لسيادة القانون وضمانات الحريات الأساسية.
وتأتي القضية في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للسلطات التونسية بشأن تراجع مساحة الحريات العامة بعد سنوات من اعتبار تونس النموذج الأبرز للتحول الديمقراطي في المنطقة عقب ثورة 2011، قبل أن تدخل البلاد مرحلة من التوتر السياسي والمؤسساتي رافقتها اتهامات بتضييق المجال العام.
وأعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها بشكل خاص من ظروف انعقاد جلسة 18 يونيو، التي تتزامن مع الإضراب العام الوطني للمحامين، محذرة من أن ذلك قد يؤثر على قدرة بن سدرين على ممارسة حقها الكامل في الدفاع والحصول على المساندة القانونية اللازمة.
وأكدت المنظمة أن السلطات التونسية تتحمل مسؤولية ضمان محاكمة عادلة وعلنية أمام هيئة قضائية مستقلة ومحايدة، مشددة على ضرورة احترام جميع الحقوق التي يكفلها القانون التونسي والمعايير الدولية الخاصة بالمحاكمات العادلة.
وتعد سهام بن سدرين من أبرز الوجوه الحقوقية في تونس، إذ تولت رئاسة هيئة الحقيقة والكرامة التي تأسست بعد الثورة بهدف كشف انتهاكات حقوق الإنسان خلال العقود السابقة، وجمع شهادات الضحايا، وفتح ملفات الانتهاكات السياسية والأمنية والمالية.
غير أن مسار العدالة الانتقالية تحول لاحقاً إلى ملف خلافي، بعدما واجهت الهيئة انتقادات وضغوطاً سياسية، فيما يرى داعمون لبن سدرين أن استهدافها الحالي يعكس محاولة لإغلاق ملفات المحاسبة وإضعاف الجهود التي سعت لكشف مسؤوليات الانتهاكات السابقة.
وتعتبر منظمات حقوقية أن ملاحقة شخصيات ارتبط اسمها بملفات العدالة الانتقالية تحمل رسالة سلبية للمدافعين عن حقوق الإنسان، وتثير مخاوف من خلق مناخ يدفع الناشطين والصحفيين والمعارضين إلى ممارسة الرقابة الذاتية خشية التعرض للملاحقة.
ودعت منظمة العفو الدولية السلطات التونسية إلى إنهاء أي ملاحقات ذات دوافع سياسية أو انتقامية، وضمان توفير بيئة آمنة تسمح للمدافعين عن حقوق الإنسان بممارسة عملهم دون ترهيب أو عقوبات.
وأكدت أن حماية حرية التعبير والعمل الحقوقي السلمي تمثل جزءاً أساسياً من التزامات تونس الدولية، وأن استخدام الإجراءات القضائية ضد الأصوات المستقلة يقوض الثقة بالمؤسسات ويضعف ضمانات العدالة.
ويرى مرقبون أن قضية بن سدرين تأتي ضمن سياق أوسع من التضييق على المجتمع المدني والمعارضين، في وقت تؤكد فيه السلطات التونسية أن إجراءاتها القضائية مستقلة وتتم وفق القانون.
لكن المنظمات الحقوقية تشدد على أن استقلال القضاء لا يقتصر على وجود إجراءات رسمية، بل يتطلب ضمان عدم استخدام المؤسسات القضائية كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو معاقبة العمل الحقوقي.
وتحذر هذه المنظمات من أن استمرار ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان بسبب دورهم في كشف الحقيقة قد يمثل انتكاسة لمسار العدالة الانتقالية في تونس، ويعيد إنتاج ممارسات كان يفترض تجاوزها بعد مرحلة التحول السياسي.
وتؤكد منظمة العفو الدولية أن محاكمة الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان بسبب عملهم السلمي لا تستهدف الأفراد فقط، بل تضرب مبدأ المساءلة ذاته، وتبعث برسالة مقلقة إلى جميع الأصوات المستقلة التي تطالب بالإصلاح واحترام الحقوق والحريات.