
أصدر رئيس الجمهورية قيس سعيّد في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي أربعة مراسيم شملت هيئة الانتخابات، والمجالس البلدية، والمرسوم 54 المتعلق بجرائم النشر والاتصال، إلى جانب الصلح الجزائي، في خطوة تعكس استمرار إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق تصوّره الخاص للحكم، بعد أكثر من خمس سنوات على انفراده بالسلطة.
وجاء إصدار هذه المراسيم في وقت تستعد فيه تونس لإحياء ذكرى 17 ديسمبر/كانون الأول، اليوم الذي اندلعت فيه احتجاجات الثورة عام 2010، بما يحمله من رمزية سياسية مرتبطة بالمطالبة بالحرية والكرامة وإنهاء احتكار السلطة.
غير أن قراءة المراسيم الجديدة تُظهر، وفق مراقبين، اتجاهاً معاكساً لشعارات الثورة، إذ تمنح الرئاسة دوراً حاسماً في إدارة مؤسسات يفترض أن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية.
وفي مقدمة هذه المراسيم، التعديل المتعلق بهيئة الانتخابات، إذ وسّع تركيبة مجلسها من سبعة إلى تسعة أعضاء، وحدد مدة العضوية بست سنوات غير قابلة للتجديد، مع تجديد ثلث الأعضاء كل سنتين. وعلى الرغم من أن هذه التعديلات تبدو، في ظاهرها، محاولة لتنظيم عمل الهيئة وملاءمة القانون مع دستور 2022، فإن جوهر الإشكال يتمثل في بقاء اختيار الأعضاء وتعيينهم بيد رئيس الجمهورية.
ويعين سعيّد، وفق الصيغة الجديدة، أعضاء مجلس الهيئة، كما يختار رئيسها من بينهم. وبهذا تصبح المؤسسة المكلفة بتنظيم الانتخابات والإشراف على نزاهتها مرتبطة مباشرة بإرادة الرئيس، وهو طرف سياسي معني بنتائج العملية الانتخابية ومستقبلها. ويرى منتقدون أن هذا الوضع يضعف استقلال الهيئة قبل أن يبدأ أي نقاش حول نزاهة الأعضاء أو كفاءتهم الشخصية.
وقال الناطق باسم الهيئة محمد التليلي المنصري إن التعديل جاء بهدف ملاءمة القانون مع أحكام دستور 2022. ويُعد هذا التبرير صحيحاً من الناحية الشكلية، لكنه لا يجيب عن السؤال السياسي الأهم: كيف يمكن ضمان استقلال الجهة التي تدير الانتخابات إذا كان رأس السلطة التنفيذية هو من يختار أعضاءها ورئيسها؟
فهيئة الانتخابات كانت من أبرز المؤسسات التي نشأت بعد الثورة لمنع احتكار السلطة السياسية إدارة الاقتراع، وضمان وجود جهة مستقلة تشرف على العملية الانتخابية. إلا أن استقلالها تعرض لتراجع جوهري منذ تعديل تركيبتها عام 2022، قبل أن يأتي المرسوم الأخير ليعزز الدور المباشر للرئيس في تشكيل مجلسها.
ويعني ذلك أن الخلل لم يعد مرتبطاً بأسماء الأعضاء، بل أصبح جزءاً من البنية القانونية للمؤسسة نفسها.
وتقوم الثقة في الانتخابات على استقلال قواعدها ومؤسساتها عن المتنافسين، لا على افتراض حياد أشخاص اختارهم أحد الأطراف. وحين يمتلك الرئيس سلطة اختيار من يديرون العملية الانتخابية، فإن الحديث عن ضمانات الاقتراع يتحول إلى مسألة شكلية، فيما تظل مفاتيح المؤسسة بيد السلطة السياسية ذاتها.
وتتكرر المفارقة في المرسوم المنظم للمجالس البلدية. فقد أعاد النص وضع إطار قانوني لعمل البلديات بعد حل المجالس المنتخبة عام 2023، لكنه منح الوالي، بوصفه ممثل السلطة المركزية، صلاحيات واسعة في مراقبة قراراتها.
وتحتاج قرارات أساسية تتعلق بالميزانية والاستثمار والاقتراض والتهيئة العمرانية إلى مصادقة الوالي، ما يحد من قدرة المجالس المحلية على إدارة شؤون مناطقها بصورة مستقلة.
ويعني هذا الترتيب أن المجالس البلدية، حتى إذا عادت إلى العمل، ستتحرك تحت رقابة مركزية مشددة. فالصلاحيات التي يفترض أن تكون بيد الهيئات المنتخبة تنتقل عملياً إلى ممثل السلطة التنفيذية في الجهات، ما يفرغ اللامركزية من مضمونها ويعيد إنتاج الإدارة القديمة بصيغة قانونية جديدة.
ويأتي ذلك بعد حل المجالس البلدية المنتخبة، الأمر الذي عمّق القطيعة بين المواطنين والمؤسسات المحلية. وبدلاً من إعادة بناء الثقة عبر انتخابات حقيقية وصلاحيات فعلية، يقدم المرسوم إطاراً يجعل المشاركة الشعبية محكومة بسقف تضعه السلطة المركزية.
أما المرسوم 54، المتعلق بجرائم النشر والاتصال، فقد حظي بتعديلات محدودة، من دون أن يبدد المخاوف بشأن تأثيره في حرية التعبير والعمل الصحفي. ويُنظر إلى هذا النص بوصفه من أكثر القوانين إثارة للجدل في مجال الحريات، بسبب استخدامه في ملاحقة أصوات معارضة وصحفيين ونشطاء على خلفية مواقفهم أو كتاباتهم.
وتبدو التعديلات الأخيرة أقرب إلى إعادة ترتيب النص القانوني منها إلى مراجعة جوهرية له. فبدلاً من إزالة القيود التي تثير انتقادات حقوقية، يجري الإبقاء على منطق التجريم الواسع للاتصال والنشر، بما يسمح باستمرار الضغط على المجال العام.
وفي ظل تركيز السلطات بيد الرئاسة، تتحول القوانين المنظمة للإعلام والانتخابات والبلديات إلى أدوات لضبط المجتمع، لا إلى ضمانات لحماية الحقوق.
ويكشف جمع هذه المراسيم في حزمة واحدة عن مسار سياسي متكامل، لا عن تعديلات منفصلة. فالرئيس يعيد تنظيم هيئة الانتخابات، ويضع المجالس البلدية تحت رقابة الولاة، ويبقي أدوات قانونية لملاحقة الخطاب العام، بينما يواصل تقديم هذه الخطوات بوصفها إصلاحاً للمؤسسات وتصحيحاً لمسار الدولة.
لكن مراقبين يرون أن النتيجة الفعلية هي تضييق المجال أمام التعددية، وإضعاف المؤسسات الوسيطة، وتركيز القرار في قصر قرطاج. فبعد أكثر من خمس سنوات على انفراد سعيّد بالسلطة، لم تعد المسألة تتعلق بإجراء مؤقت أو استثنائي، بل بتحويل الاستثناء إلى بنية دائمة للحكم.
وبينما تستعد تونس لاستعادة ذكرى ثورة قامت ضد الاستبداد، تأتي هذه المراسيم لتطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً حول مصير المؤسسات التي أنشئت لحماية الديمقراطية. فبدلاً من تعزيز استقلال هيئة الانتخابات، يجري إخضاعها للرئاسة، وبدلاً من تمكين البلديات، تُقيّد بسلطة الوالي، وبدلاً من حماية حرية التعبير، يبقى المرسوم 54 حاضراً كأداة ضغط قانونية.
وبذلك، تبدو إصلاحات قيس سعيّد أقرب إلى إعادة تعريف الدولة بما يخدم مركزية القرار، لا إلى استكمال أهداف الثورة. فالسلطة التي تقول إنها تعيد بناء المؤسسات، تفعل ذلك من أعلى إلى أسفل، ومن دون ضمانات كافية للاستقلال والمساءلة والمشاركة الشعبية.