
تواجه تونس ضغوطاً جيوسياسية متصاعدة في أعقاب إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات في 10 سبتمبر/أيلول 2026، وإمهال سفيرها 48 ساعة لمغادرة البلاد، إلى جانب إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية، في خطوة تنذر بتداعيات إقليمية تتجاوز حدود البلدين وتضع الرئيس التونسي قيس سعيد أمام اختبار جديد لقدرته على حماية استقلالية القرار الوطني.
ويرى تحليل صادر عن مركز البيت الخليجي للدراسات والنشر أن تونس، التي عمّقت علاقاتها مع الجزائر في عهد سعيد، تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ يصعب عليها التفريط في شراكتها الأمنية والاقتصادية مع الجزائر، كما لا تستطيع تجاهل مصالحها التجارية والاستثمارية والمالية مع الإمارات.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات بشأن قدرة الرئاسة التونسية على تجنب الانخراط في صراع المحاور، في ظل ما يصفه التحليل بمحدودية هامش المناورة الدبلوماسية التونسية.
ولم يكن قرار الجزائر قطع العلاقات مع أبوظبي وليد خلاف طارئ، بل جاء بعد سنوات من التوتر والتنافس في ملفات إقليمية متعددة، وفق التحليل. فالعلاقات بين البلدين كانت متينة قبل وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2019، واستندت إلى مصالح سياسية واقتصادية، من بينها امتيازات حصلت عليها شركات إماراتية في الجزائر.
وحصلت شركة “موانئ دبي العالمية” عام 2009 على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، بالتوازي مع توسع الاستثمارات الإماراتية في قطاعي التبغ والصناعة. غير أن العلاقات شهدت انتكاسات متلاحقة مع تصاعد الخلافات بشأن ملفات إقليمية، شملت الصحراء الغربية وليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي.
واتهمت الجزائر الإمارات بالتدخل في شؤون دول عربية وأفريقية، معربة عن مخاوفها من دعم أبوظبي للمغرب في قضية الصحراء الغربية، وعلاقاتها بالقائد العسكري الليبي خليفة حفتر، فضلاً عن تدخلاتها في مالي والنيجر. كما أثار التقارب الإماراتي الإسرائيلي، عقب توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، مخاوف جزائرية بشأن انعكاساته على أمن المغرب العربي.
وتعود جذور التوتر أيضاً إلى مرحلة الحراك الشعبي الجزائري عام 2019، حين رُفعت شعارات ضد الإمارات والرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وسط مزاعم بشأن محاولات إماراتية للتأثير في ترتيبات مرحلة ما بعد بوتفليقة.
وفي 10 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت الخارجية الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، قائلة إنها استنفدت جميع السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية، ومتهمة أبوظبي بتزايد التصرفات الاستفزازية والعدائية.
ويضع التقارب بين سعيد وتبون تونس في موقع حساس، إذ أصبحت الجزائر شريكاً أساسياً للسلطات التونسية في ملفات الأمن والطاقة والدعم الاقتصادي. ووفق التحليل، قدمت الجزائر دعماً سياسياً ومالياً لحكومة سعيد، شمل ودائع وضمانات لدعم الاقتصاد التونسي في ظل أزمته المالية.
وتعتمد تونس على الجزائر بوصفها مورداً رئيسياً للطاقة، وتستفيد من أسعار تفاضلية للغاز والكهرباء، كما يمر عبر أراضيها خط أنابيب الغاز الجزائري المتجه إلى إيطاليا.
وتعزز التعاون الأمني بتوقيع اتفاقية دفاع مشتركة في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبينما وصفت تونس الاتفاق لاحقاً بأنه تحديث لاتفاقية دفاع تعود إلى عام 2001، أشارت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، وفق التحليل، إلى وثائق تفيد بإمكانية تحرك القوات الجزائرية لمسافة 50 كيلومتراً داخل الأراضي التونسية في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويثير هذا التقارب تساؤلات بشأن حدود الشراكة بين البلدين، خصوصاً عندما تتداخل متطلبات التعاون الأمني مع استقلال القرار السيادي. ويرى التحليل أن خطاب تبون بشأن اعتبار أمن تونس امتداداً لأمن الجزائر قد يتحول إلى مصدر ضغط سياسي، إذا استُخدم لتقييد خيارات تونس الخارجية أو الحد من شراكاتها الأمنية مع أطراف أخرى.
ولم يقتصر التقارب التونسي الجزائري على التعاون الاقتصادي والأمني، بل امتد إلى الملفات الدبلوماسية، حيث شاركت تونس في مبادرة اللقاء الثلاثي الدوري مع الجزائر وليبيا، التي يرى مراقبون أنها قد تسهم في استبعاد المغرب عن ترتيبات إقليمية مغاربية.
كما شهد الموقف التونسي من قضية الصحراء الغربية تحولاً أثار أزمة مع الرباط، بعدما استقبل قيس سعيد في أغسطس/آب 2022 زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، ما دفع المغرب إلى استدعاء سفيره لدى تونس.
ويعتبر التحليل أن هذه الخطوة عكست ابتعاد تونس عن الحياد الذي اتسمت به سابقاً، وطرحت تساؤلات بشأن مدى تأثر سياستها الخارجية بحسابات الجزائر. ويحذر من أن يؤدي التصعيد الجزائري الإماراتي إلى زيادة الضغوط على تونس، ودفعها إلى تبني مواقف تتوافق مع توجهات حليفها الجزائري، على حساب علاقاتها مع أطراف إقليمية أخرى.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو سياسة سعيد الخارجية أمام اختبار صعب، إذ إن استمرار الرهان على محور محدود قد يضعف قدرة تونس على بناء علاقات متوازنة، ويزيد من كلفة أي خلاف مع الجزائر، خصوصاً في ظل ارتباط ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد بالتعاون الثنائي.
في المقابل، ترتبط تونس بالإمارات بمصالح اقتصادية واستثمارية مهمة، تشمل الدعم المالي والاستثمارات في قطاعات البنية التحتية والسياحة والعقارات، فضلاً عن تأمين قروض وودائع لدعم الموازنة التونسية المتعثرة.
وتوفر الإمارات أيضاً سوقاً للعمالة والكفاءات التونسية، فيما بدأت الدولتان مفاوضات متقدمة لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة تهدف إلى إزالة الحواجز الجمركية وتعزيز التجارة.
ويشير التحليل إلى أن 42 شركة إماراتية تعمل في تونس، وتوفر فرص عمل في قطاعات الاتصالات والطاقة المتجددة، إضافة إلى مشروع مدينة تونس الرياضية الذي تنفذه مجموعة بوخاطر.
وتمنح هذه المصالح أبوظبي أدوات تأثير اقتصادية يمكن أن تنعكس على حسابات تونس، وإن كانت طبيعة هذا التأثير تختلف عن النفوذ الأمني والجغرافي الذي تتمتع به الجزائر. ومن ثم، فإن أي انحياز تونسي كامل إلى أحد الطرفين قد يعرّض مصالح البلاد مع الطرف الآخر للخطر.
وتتولى تونس رئاسة مجلس جامعة الدول العربية من سبتمبر/أيلول 2026 حتى مارس/آذار 2027، في توقيت يتسم بتصاعد الخلافات العربية وتراجع العلاقات بين عدد من العواصم.
ويتيح هذا الموقع لتونس فرصة للقيام بدور الوساطة بين الجزائر والإمارات، ومحاولة احتواء الأزمة قبل أن تتوسع تداعياتها. لكن التحليل يشير إلى عدم ظهور مؤشرات واضحة حتى الآن على تحرك تونسي فعلي لرأب الصدع بين البلدين.
ويخلص مركز البيت الخليجي للدراسات والنشر إلى أن تونس لا تستطيع الاستغناء عن التعاون الأمني والطاقي مع الجزائر، كما لا يمكنها تجاهل المصالح المالية والاستثمارية التي تربطها بالإمارات. ويضع ذلك قيس سعيد أمام مسؤولية انتهاج سياسة خارجية أكثر توازناً، بدلاً من الارتهان لمحور واحد.
وتبقى قدرة تونس على تجاوز هذا الاختبار مرهونة بمدى استعداد قيادتها السياسية للدفاع عن استقلال القرار الوطني، واستثمار رئاسة الجامعة العربية لإطلاق مساعٍ دبلوماسية جدية، تحول دون انتقال الصراع الجزائري الإماراتي إلى أزمة جديدة تدفع تونس ثمنها سياسياً واقتصادياً.