المراقب التونسي

تونس توسع ملاحقة الصحافيين بمرسوم مثير للجدل وترسخ سياسة تكميم الأفواه

تواجه السلطات التونسية انتقادات حقوقية متصاعدة بسبب استمرار استخدام المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال في ملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي، وسط تحذيرات من تراجع غير مسبوق في مكاسب حرية التعبير التي تحققت بعد ثورة عام 2011.

وأدانت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين استمرار توظيف المرسوم ضد العاملين في القطاع الإعلامي، معتبرة أن هذا المسار بات يشكل تهديدا مباشرا لحرية الصحافة ويؤسس لمناخ قائم على التخويف والرقابة الذاتية.

وجاء موقف النقابة عقب إصدار أحكام سجنية غيابية بحق الصحافية ومديرة موقع “تونس ميديا” خولة بوكريم، قضت بسجنها أربع سنوات مع النفاذ العاجل في ملفين قضائيين مرتبطين بتدوينات ناقدة للسياسات العامة نشرتها عبر منصة فيسبوك.

واعتبرت النقابة أن تحويل الآراء والمنشورات النقدية إلى ملفات جنائية يعكس اتجاها خطيرا في التعامل مع العمل الصحافي، مؤكدة أن ملاحقة الإعلاميين بسبب انتقاد السلطة التنفيذية تقوض الدور الأساسي للصحافة في مساءلة المسؤولين وإعلام الرأي العام.

وأعربت عن قلقها من طريقة معالجة ملفات الصحافيين أمام القضاء، خصوصا في ظل ما وصفته بغياب ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع والإعلام بالأحكام القضائية ضمن الآجال القانونية التي تسمح بالطعن والانتصاف.

وأكدت النقابة أن تشديد العقوبات السجنية بسبب مضامين إعلامية أو آراء منشورة يمثل انتهاكا واضحا لحرية التعبير والصحافة التي تضمنها المواثيق الدولية، مطالبة بوقف استخدام القوانين الزجرية في مواجهة الأصوات الناقدة.

وجددت رفضها تطبيق المرسوم 54 في قضايا النشر والتعبير، مشددة على ضرورة معالجة النزاعات الإعلامية وفق المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر، بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وطالبت النقابة بإلغاء الأحكام الصادرة بحق بوكريم وتمكينها من حقوقها القانونية، إضافة إلى وقف ملاحقة الصحافيين وأصحاب الرأي تحت مظلة قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية.

كما دعت مجلس نواب الشعب، وخاصة لجنة التشريع العام، إلى تسريع مراجعة المرسوم 54 لضمان عدم استخدامه كأداة للتضييق على حرية التعبير.

وتأتي هذه القضية ضمن سلسلة ملفات أثارت انتقادات حقوقية واسعة، من بينها محاكمة الصحافية والمحامية سنية الدهماني، التي أصبحت إحدى أبرز القضايا المرتبطة بتراجع الحريات الإعلامية في تونس خلال السنوات الأخيرة.

وتشير منظمات حقوقية إلى أن المشهد الإعلامي التونسي شهد تحولا واضحا منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في يوليو/تموز 2021، والتي منحت الرئاسة صلاحيات واسعة وأثارت مخاوف بشأن مستقبل التعددية السياسية والإعلامية.

وتراجعت تونس ثمانية مراكز في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، لتحتل المرتبة 137 من أصل 180 دولة، في مؤشر جديد على تدهور البيئة الإعلامية وزيادة الضغوط على الصحافيين.

وأكدت منظمة مراسلون بلا حدود أن البلاد انتقلت من مرحلة الانفتاح الإعلامي الواسع بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي إلى مرحلة تتسم بتصاعد القيود والضغوط السياسية والاقتصادية على المؤسسات الصحافية.

وأشارت المنظمة إلى أن عددا متزايدا من وسائل الإعلام أصبح يتجنب تناول الملفات السياسية الحساسة، في ظل مناخ يدفع الصحافيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية خوفا من الملاحقات.

كما رصدت تصاعد حملات التشويه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضد الصحافيين المنتقدين للسلطة، إلى جانب زيادة المحاكمات المرتبطة بالعمل الإعلامي.

ويرى مراقبون أن دستور عام 2022 عزز تركيز السلطات بيد الرئيس وأضعف الضمانات المؤسساتية التي تحمي استقلال القضاء وحرية الإعلام، ما فتح الباب أمام استخدام أدوات قانونية لملاحقة المعارضين والصحافيين.

وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل تونس، التي كانت تعتبر نموذجا للحريات بعد الربيع العربي، إلى دولة تستخدم القضاء والتشريعات الرقمية للسيطرة على المجال العام وإسكات الأصوات الناقدة.

↑
Exit mobile version