
أثارت أحكام السجن المشددة التي أيدتها محكمة الاستئناف التونسية ضد نحو 40 شخصية من المعارضة موجة انتقادات دولية شديدة، حيث اعتبرت منظمات حقوق الإنسان هذه الأحكام مثالاً صارخًا على استخدام النظام القضائي لقمع المعارضة السياسية في البلاد.
وأصدرت المحكمة أحكامًا بالسجن تتراوح بين 10 و45 عامًا على المتهمين في القضية المعروفة باسم “المؤامرة”، بعد أن وجهت إليهم اتهامات تشمل “التآمر على أمن الدولة” و”الانتماء إلى جماعة إرهابية”.
وكان معظم هؤلاء المعتقلين قد ألقي القبض عليهم في ربيع عام 2023، بينما شملت التهم الاجتماعات مع دبلوماسيين أجانب، ما أثار تكهنات واسعة حول دوافع سياسية وراء الاعتقالات.
في المحاكمة الابتدائية التي جرت في أبريل/نيسان 2025، صدرت أحكام بالسجن تصل إلى 66 عامًا في جلسات استماع سريعة لم تتجاوز ثلاث جلسات، ودون السماح بتقديم المرافعات الختامية للمتهمين.
وقد أدانت جماعات حقوق الإنسان هذه المحاكمة ووصفتها بأنها “ذات دوافع سياسية”، بينما أكد فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن ما حدث يشكل “انتهاكات للقانون تثير مخاوف جدية بشأن الدوافع السياسية وراء هذه الأحكام”.
وفي الأحكام الجديدة بعد الاستئناف، صدرت أحكام مخففة نسبيًا لبعض المتهمين، لكن العقوبات ظلت شديدة.
فقد حُكم على رجل الأعمال كامل لطيف بالسجن 45 عامًا بعد تخفيض الحكم من 66 عامًا، بينما صدر حكم بالسجن 35 عامًا على السياسي المعارض خيام تركي بعد تخفيض الحكم من 48 عامًا.
كما شهدت أحكام شخصيات بارزة مثل جوهر بن مبارك وغازي الشواشي ورضا بلحاج وعصام الشابي زيادة العقوبات من 18 إلى 20 عامًا، بينما خفف الحكم على الوزير السابق وزعيم حركة النهضة نور الدين البحيري من 43 إلى 20 عامًا.
وأفاد تقرير حقوقي بأن العديد من المعتقلين يخوضون إضرابات عن الطعام احتجاجًا على اعتقالهم، معتبرين أن المحاكمات “تعسفية” و”غير عادلة”.
وصرحت سارة حشاش، نائبة المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن “قرار محكمة الاستئناف في تونس بتجميد الإدانات الجائرة يشكل اتهامًا مروعًا للنظام القضائي التونسي”، مؤكدة أن الإجراءات تكشف عن حملة لا هوادة فيها لتقويض الحقوق وإسكات المعارضة، بما في ذلك استهداف المحامين الذين يمثلون المتهمين.
وأدت هذه الأحكام إلى احتجاجات شعبية واسعة، من بينها ما أطلق عليه اسم “المسيرة ضد الظلم” في 22 نوفمبر 2025، بمشاركة ناشطين من المجتمع المدني وقوى المعارضة، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين.
وعلى الصعيد الدولي، صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة على قرار يدعو إلى الإفراج عن التونسيين المعتقلين بسبب ممارستهم لحرية التعبير، وهو ما رفضه الرئيس قيس سعيد واصفًا القرار بـ”التدخل السافر”.
ومنذ انقلاب سعيد في صيف عام 2021، والذي منح نفسه سلطات واسعة، نددت المنظمات الدولية والمحلية بتراجع الحقوق والحريات في تونس، مهد الربيع العربي، مع تزايد المخاوف بشأن استقلال القضاء واستهداف المعارضة السياسية.
وفي سياق منفصل، حصلت المحامية التونسية والكاتبة البارزة سونيا الدهماني على الإفراج المشروط بعد 18 شهرًا من الاحتجاز، إثر إدانات متعددة بموجب مرسوم رئاسي يُجرّم نشر “معلومات كاذبة”، ما أثار انتقادات واسعة من المدافعين عن حرية الصحافة وحرية التعبير.
ويصف مراقبون هذه التطورات بأنها جزء من حملة متواصلة لنظام سعيد للسيطرة على المعارضة السياسية وإسكات الأصوات المستقلة، وسط أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تجعل من الإصلاحات الديمقراطية والتوازنات المؤسسية في تونس على المحك.
وبينما تؤكد السلطات التونسية أن الإجراءات القانونية المتخذة “تتوافق مع القانون”، يرى المجتمع الدولي أن هذه الأحكام تمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الديمقراطية في تونس، وتزيد الضغط على الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات فعالة للضغط على الحكومة التونسية.