المراقب التونسي

قيس سعيّد ومعركة تفكيك الاتحاد العام التونسي للشغل: صراع السلطة ضد المجتمع المدني

منذ تولّيه السلطة المطلقة بعد 25 يوليو/تموز 2021، لم يترك رئيس الجمهورية قيس سعيّد مجالاً للشك في أن مشروعه السياسي يقوم على تفكيك كل الأجسام الوسيطة التي يمكن أن تمثل رافعة معارضة أو موازناً اجتماعياً في مواجهة حكمه الفردي.

وفي مقدمة هذه الأجسام، يقف الاتحاد العام التونسي للشغل، أعرق المنظمات النقابية وأكثرها تأثيراً في تاريخ تونس الحديث.

لكن المشهد الراهن يكشف عن مواجهة غير متكافئة: سلطة مدجّجة بأجهزة الدولة والدعاية والإكراه، في مقابل نقابة مثقلة بأخطائها الذاتية وانقساماتها الداخلية، وجدت نفسها بين مطرقة النظام وسندان فقدان البوصلة.

من قوة اجتماعية مستقلة إلى فاعل سياسي مترنّح

لعب الاتحاد العام للشغل منذ تأسيسه دوراً محورياً في الحياة السياسية والاجتماعية التونسية، ولم يكن مجرّد نقابة مهنية. فقد أسهم في معارك الاستقلال، وشارك في رسم ملامح الدولة الحديثة، وكان دائماً قوة موازنة للأنظمة المتعاقبة.

وخلال العشرية الديمقراطية (2011 – 2021)، ارتفع سقف نفوذه ليصبح لاعباً سياسياً أساسياً يفرض شروطه على الحكومات المنتخبة.

لكن المشكلة أن هذا النفوذ استُخدم في معظم الأحيان لأغراض تكتيكية مرتبطة بالمكاسب الآنية، لا بإصلاحات وطنية شاملة.

فحين طرحت الحكومات خططاً لإعادة هيكلة المؤسسات العمومية الخاسرة أو إصلاح منظومة الدعم أو تعديل النظام الجبائي، كان موقف الاتحاد دفاعياً، قائماً على رفض التغيير لحماية مصالح فئوية ضيقة.

والنتيجة أن البلاد وصلت إلى حافة الانهيار المالي، بمؤسسات متضخمة وموازنات منهكة وفاتورة دعم تستنزف الخزينة.

اختبار 25 يوليو: خيانة الذاكرة الديمقراطية

حين أقدم سعيّد على تجميد البرلمان وإقالة الحكومة في يوليو 2021، وجد الاتحاد نفسه أمام منعطف تاريخي: إما الاصطفاف دفاعاً عن الديمقراطية التي كان جزءاً من هندستها في 2013 عبر “الحوار الوطني”، أو الانحياز للسلطة الجديدة تحت شعار “مطالب الشعب”. لكن قيادة الاتحاد اختارت الصمت الموارب، مفضّلةً خطاباً عاماً يراهن على علاقة مرنة مع الرئيس، تضمن بقاءها لاعباً مركزياً في المشهد الجديد.

هذا الموقف لم يكن مجرد حياد، بل كان تواطؤاً ضمنياً مع مشروع سعيّد الاستبدادي. ومع مرور الوقت، حين أحكم الرئيس قبضته وأقصى كل القوى المعارضة الأخرى، لم يتردّد في الانقلاب على الاتحاد نفسه، مستهدفاً إياه بحملات تشويه وتهديدات مباشرة.

السلطة تبتلع الاتحاد: من الاحتواء إلى المواجهة

تكتيك سعيّد لم يختلف كثيراً عن أنظمة عربية وأفريقية أخرى. ففي مصر بعد 2013، تحالفت بعض النقابات مع السلطة الجديدة قبل أن تُخضعها الدولة لقوانين مقيّدة ومجالس مكلّبة.

وفي المغرب، اعتادت الحكومات سياسة “التقريب ثم الإضعاف”، حيث تمنح تنازلات محدودة في البداية ثم تقلّص دور النقابات تدريجياً. السيناريو نفسه يتكرّر في تونس: استيعاب أولي ثم سحق لاحق.

ففي البداية، سمحت السلطة للاتحاد بهامش محدود للتحرك، بل وتغاضت عن بعض إضراباته لتوظيفه كواجهة “تعددية” في المشهد. لكن بمجرد أن تخلّص سعيّد من بقية خصومه، بدأ الهجوم المنهجي:

حملات إعلامية تصفه بـ”العصابة”.

التلويح بملفات فساد ضد قياداته.

تحريك الشارع الموالي للاعتداء على مقراته، كما حدث في 7 أغسطس/آب 2025 حين تجمّع أنصار الرئيس أمام المقر المركزي مطالبين بحلّه.

حتى خطاب الرئيس نفسه أعطى غطاءً سياسياً لهذه الاعتداءات حين أعلن أن قوات الأمن “ستؤمّن المقر”، في إشارة فُهمت كرسالة ضمنية بأن السلطة تشجع الاحتجاجات ضد الاتحاد.

أزمة داخلية تضعف المقاومة

المعضلة الأكبر أن الاتحاد لا يواجه القمع السلطوي فقط، بل يعيش انقسامات داخلية عميقة منذ 2024، حين انسحب خمسة أعضاء من مكتبه التنفيذي واتهموا القيادة بالاحتكار. تلت ذلك اعتصامات أمام مقره المركزي، ومطالب بمؤتمر انتخابي مبكر، ما أدى إلى إضعاف الجبهة الداخلية في لحظة حرجة.

هذه الانقسامات جعلت الاتحاد أقل قدرة على مواجهة السلطة، خصوصاً بعد إقصائه من ملفات كبرى مثل إصلاح قانون الشغل أو إنشاء صندوق للبطالة. النتيجة أن النقابة فقدت الكثير من ثقلها الشعبي، لتبدو عاجزة عن تقديم بديل حقيقي في مواجهة استبداد سعيّد.

قيس سعيّد: مشروع لتفكيك المجتمع المدني

ما يجري اليوم يعكس بوضوح مشروع سعيّد السياسي: إلغاء كل أشكال الوساطة بين الدولة والمجتمع. البرلمان المجمّد تحول إلى غرفة صورية، الأحزاب تم إضعافها إلى حدّ الانقراض، الجمعيات المدنية تتعرض لمضايقات متصاعدة، والآن جاء الدور على الاتحاد العام للشغل.

إنها ديكتاتورية صاعدة بملامح “شعبوية”، تدّعي تمثيل الإرادة الشعبية المباشرة لكنها في الحقيقة تعمل على تركيز كل السلطات بيد شخص واحد.

هذا النموذج ليس جديداً في العالم العربي وأفريقيا: قمع الوسائط الاجتماعية يؤدي إلى تفريغ المجال العام، وتحويل المواطنين إلى أفراد معزولين بلا أدوات ضغط جماعي.

الاتحاد أمام معضلة وجودية

اليوم، يقف الاتحاد على مفترق طرق:

إذا واصل إدارة أزمته بالعقلية نفسها التي قادته إلى هذا المأزق، فإن نهايته لن تختلف عن نقابات عربية أخرى تحولت من فاعل مؤثر إلى شاهد صامت ثم إلى صفحة من الماضي.

أما إذا أراد استعادة دوره التاريخي، فعليه أن يراجع أخطاءه، يفتح الباب أمام تجديد داخلي ديمقراطي، ويعود ليكون قوة اجتماعية مستقلة تنحاز إلى الشارع لا إلى السلطة.

لكن المؤشرات الحالية لا توحي بالكثير من الأمل: الانقسام الداخلي، ضعف الموقف الشعبي، وتغوّل سلطة لا تقبل بشركاء، تجعل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تدجين الاتحاد أو تحجيمه بشكل جذري.

تونس نحو “الدولة الفرد”

الصراع بين قيس سعيّد والاتحاد العام للشغل ليس مجرد خلاف نقابي أو سياسي عابر، بل هو تجسيد لمشروع استبدادي أشمل يسعى إلى تفكيك المجتمع المدني وتدمير كل ما تبقى من مكتسبات العشرية الديمقراطية.

ما يجري اليوم هو عملية إعادة رسم شاملة للمشهد التونسي: دولة يقودها فرد واحد يرفض الوساطة، يهمّش النقابات والأحزاب، ويحوّل الحقل السياسي إلى صحراء قاحلة. في هذا المشهد، يصبح الاتحاد العام للشغل آخر ضحية في سلسلة طويلة من عمليات الإقصاء.

وإذا استمر المسار على هذا النحو، فإن تونس التي كانت يوماً نموذجاً للتحول الديمقراطي في المنطقة ستتحول إلى نسخة جديدة من الأنظمة السلطوية التي ثارت عليها شعوبها، لكن هذه المرة تحت شعار “الإرادة الشعبية” التي لا تمثل سوى إرادة رجل واحد.

↑
Exit mobile version