المراقب التونسي

الإدانات الجماعية في “قضية التآمر 2” تعمّق أزمة سيادة القانون

في تطور جديد يثير قلقًا حقوقيًا واسع النطاق، أدانت منظمة العفو الدولية السلطات التونسية بشدة بعد إصدار أحكام جماعية ضد معارضين بارزين في ما يُعرف بـ”قضية التآمر 2″، ووصفت المحاكمات بأنها اعتداء صارخ على سيادة القانون واستمرار ممنهج في استهداف الحريات المدنية والتضييق على الأصوات المعارضة في البلاد.

وقالت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو، إن “الإدانات في هذه القضية تُظهر مرة أخرى كيف يُساء استخدام النظام القضائي في تونس لمعاقبة المعارضة السلمية. ما يجري هو نمط متكرر من توظيف قوانين مكافحة الإرهاب كأداة للقمع السياسي، مما يقوض الضمانات القانونية الأساسية”.

إدانات جماعية وسط محاكمة مثيرة للجدل

في 8 يوليو/تموز الجاري، أصدرت المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة أحكامًا بالسجن تراوحت بين 12 و35 عامًا بحق 21 من أصل 24 متهمًا، بينهم سياسيون معارضون بارزون، من بينهم راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، الذي صدر حكم غيابي بسجنه 14 عامًا بعد رفضه حضور المحاكمة.

كما شملت الأحكام الحبيب اللوز وسمير الحناشي وفتحي البدوي، بالإضافة إلى معارضين في المنفى كمعاذ الخريجي ولطفي زيتون، اللذين صدر بحقهما حكم بالسجن 35 عامًا.

وبحسب منظمة العفو، فإن المحاكمة شابتها انتهاكات جسيمة لمعايير المحاكمة العادلة، بدءًا من استخدام أدلة غير موثقة، إلى الاعتماد على شهود مجهولين وغياب التحقيق المستقل.

وتعود القضية إلى تحقيق فُتح عام 2023 بناء على بلاغ من “مخبر مجهول” زعم وجود “شبكة سرية” تسعى لتقويض الدولة، دون أن تقدّم السلطات أدلة ملموسة تدعم هذه المزاعم.

تدهور متواصل في الحريات

ترى منظمات حقوقية أن هذه القضية تمثل ذروة حملة قمع سياسي ممنهج بدأت منذ استيلاء الرئيس قيس سعيّد على السلطة في يوليو/تموز 2021.

ومنذ ذلك الحين، شهدت تونس تفكيكًا تدريجيًا لضمانات استقلال القضاء، وتعاظم تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي، وسط استهداف واسع للمعارضين السياسيين، والصحفيين، والنشطاء الحقوقيين.

وقالت العفو الدولية إن إجراءات المحاكمة كانت “بعيدة كل البعد عن الشفافية”، حيث مُنع الصحفيون والمراقبون المستقلون وأفراد عائلات المتهمين من حضور الجلسات، فيما خضع المعتقلون لمحاكمات عن بعد من داخل السجون، مما قيد قدرتهم على التواصل مع المحامين ومتابعة سير المحاكمة بشكل فعّال.

استخدام مفرط لقوانين الإرهاب

تُعرب منظمات حقوق الإنسان عن قلق بالغ من استخدام السلطات التونسية المتزايد لقوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي كغطاء لملاحقة المعارضة السلمية، وهو ما يتعارض مع التزامات تونس الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

وأكدت منظمة العفو أن “الاتهامات الموجهة لا تستند إلى وقائع إجرامية مثبتة، بل إلى تعبيرات سياسية واتصالات خاصة، في انتهاك مباشر للحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات”.

دعوات لإلغاء الأحكام والإفراج الفوري

طالبت منظمة العفو الدولية الحكومة التونسية بإلغاء جميع الأحكام الصادرة في هذه القضية والإفراج الفوري عن المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، مع ضمان إجراء محاكمات مستقبلية تستوفي شروط العدالة وتُجرى علنًا، بحضور أسر المتهمين والمراقبين المستقلين ووسائل الإعلام.

وأضافت العفو أن على السلطات التونسية أن تضع حدًا فوريًا لحملات القمع، وأن تعيد الاعتبار لاستقلالية السلطة القضائية، وتمنع استخدام القضاء كأداة للتصفية السياسية.

أزمة أوسع تطال النظام السياسي

تأتي هذه الإدانات في سياق أزمة متصاعدة في الحوكمة وسيادة القانون في تونس، حيث تُتهم الرئاسة بتقويض المؤسسات الديمقراطية وتوسيع سلطاتها دون ضوابط، بعد تعليق عمل البرلمان في 2021 وتغيير الدستور عبر استفتاء أحادي الجانب في 2022.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى عزلة دولية متزايدة لتونس، وتدهور في العلاقات مع الشركاء الأوروبيين والمنظمات الدولية، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة تتطلب انفتاحًا سياسيًا وليس مزيدًا من الانغلاق.

وقد وثّقت منظمة العفو الدولية، منذ عام 2021، تصاعدًا في الانتهاكات بحق المعارضين السياسيين والإعلاميين في تونس، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي، والمضايقات القضائية، والإقصاء من الفضاء العام، عبر اتهامات مطاطة وغير مثبتة.

واختتمت سارة حشاش بالقول: “إن الاعتماد المفرط على مصادر مجهولة وإجراءات سرية يجعل من هذه المحاكمات صورية، ويحول الأحكام إلى أدوات ترهيب سياسي لا تمتّ للعدالة بصلة”.

↑
Exit mobile version