في وقت تُروّج فيه الحكومة لمؤشّرات نمو وتراجع التضخّم بوصفها إشارات تعافٍ تدريجي، تعكس المعطيات الاقتصادية الرسمية واقعاً أكثر قتامة للاقتصاد التونسي خلال الأشهر الأولى من عام 2025. فخلف واجهة الأرقام، تتوارى أزمة مركّبة، تعاني فيها البلاد من هشاشة بنيوية، وتراجع في قدرات الدولة التدخّلية، وانعدام ثقة داخلي وخارجي في جدوى الإصلاح.
تشير آخر بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى نمو سنوي للناتج المحلّي الإجمالي بنسبة 1.6% في الربع الأول من العام، انخفاضاً من 2.4% في الربع السابق. ويكشف هذا النمو المتواضع عن اختلال هيكلي في مصادره، إذ تركز بشكل أساسي على أداء القطاع الفلاحي الذي ارتفع بـ7%، مقابل انكماش حاد في الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 6.5%. يعكس هذا التفاوت غياب محركات مستدامة للنمو، في ظل ركود القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
على صعيد الأسعار، بلغ معدل التضخّم 5.6% في أبريل، بانخفاض طفيف عن مارس، لكنه لم يُترجم إلى تحسّن ملموس في معيشة المواطنين. فقد ارتفعت أسعار الأغذية بـ7.3%، فيما سجّلت خدمات السياحة والمطاعم قفزات تفوق 11%. ومع ثبات الأجور، تتآكل القدرة الشرائية، ما يهدد الطبقة المتوسّطة ويدفع نحو اتساع الفوارق الاجتماعية.
أما البطالة، فقد تراجعت إلى 15.7%، وفق الأرقام الرسمية، لكنّها تبقى مرتفعة بشكل خطير بين الشباب (37.7%) وخريجي الجامعات (23.5%). ويعكس ذلك فجوةً متزايدة بين النظام التعليمي وسوق الشغل، كما يشير إلى أن جزءاً كبيراً من فرص العمل المستحدثة يتمركز في الاقتصاد غير المنظم.
القطاع الخارجي بدوره لا يعكس أي مؤشّرات إيجابية، إذ تراجعت الصادرات بنسبة 2.4%، في حين ارتفعت الواردات بـ7.8%، ما رفع العجز التجاري إلى 7.29 مليارات دينار. وتُعزى هذه الفجوة خصوصاً إلى الانخفاض الكبير في صادرات الطاقة والصناعات الغذائية، مقابل تزايد استيراد المواد الاستهلاكية.
الأزمة لا تقف عند حدود المؤشّرات الاقتصادية. سياسياً، تعاني تونس من عزلة دولية بعد تعثّر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتعليق المساعدات الخارجية. داخلياً، تغيب الرؤية الشاملة، في ظل احتكار القرار الاقتصادي، وتآكل الثقة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
ومع تراجع التمويل الخارجي، تعتمد الدولة على حلول ظرفية مثل الاقتراض الداخلي وزيادة الضغط الجبائي، ما يهدد بتجفيف السيولة البنكية وتعطيل الاستثمار.
في الأثناء، يتواصل نزيف الكفاءات، حيث غادر أكثر من 100 ألف تونسي البلاد في عام واحد، في دلالة على فقدان الأمل في أي تغيير ملموس.
الصورة، في مجملها، لا تعبّر عن انهيار فوري، بل عن تفكك تدريجي يطال مختلف مفاصل الاقتصاد. ويبدو أن الاستمرار في هذه الوضعية دون إصلاحات جذرية سيكون مكلفاً اجتماعياً وسياسياً، ما يجعل من وضع “خطة إنقاذ وطنية” ضرورة حيوية، قبل أن يفوت الأوان.