
اعتبر نقيب الصحفيين التونسيين ياسين الجلاصي، أن “هناك تراجعا خطيرا لوضع حرية الصحافة والتعبير في تونس، وانتهاكات واعتداءات كبيرة وسياسة تعتيم كاملة”.
وحذر الجلاصي في تصريحات صحفية من مخاطر “تراجع حرية الصحافة بأكثر من 20 مرتبة عالميا وهو تصعيد ممنهج ضد الصحافة والوضع خطير، وشمل أيضا حرية التظاهر واستقلال القضاء”.
وشدد على أن “حقيقة الوضع على درجة عالية من الخطورة والسوء، نقترب من العودة لمربع الاستبداد، ولكن لن نسمح بذلك بوجود مناضلين ووحدة من الجميع للتصدي لكل الممارسات القمعية”.
قبل عدة أسابيع، أميط اللثام عن المرسوم الرئاسي عدد 54 لسنة 2022 المؤلف من 38 فصلاً، حيث أثار مخاوف عديدة بشأن طبيعته غير الديمقراطية في أوساط الصحفيين والفاعلين الإعلاميين حتى قبل نشره، وهي المخاوف التي ثبت أنها كانت مبررة تماماً عند الاطلاع على النص المُعتمد والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2022.
ذلك أن الفصل 24 المعنوَن “في الإشاعة والأخبار الزائفة” يشكل مصدر قلق عميق، وهو الذي “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسون ألف دينار (حوالي 15670 يورو) كل من يتعمد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتّصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذباً للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان”، بل ويمكن أن تصل العقوبة إلى السجن 10 أعوام “إذا كان الشخص المستهدَف موظفاً عمومياً أو شبهه”.
بينما ينص المرسوم الرئاسي على جملة من العقوبات، فإنه لا يقدم أي تعريف “للأخبار الزائفة” و”الإشاعة”.
وفي هذا السياق، فإن مكافحة الأخبار الزائفة قد تُستخدم كذريعة لإضفاء الشرعية على انتهاك حرية الصحافة والحق في الإعلام والحصول على المعلومات، حيث يترك النص حرية مطلقة للأجهزة الأمنية والنيابة العامة في تفسير أحكامه، مما يسهِّل تجريم العمل الإعلامي وتقويض الحق في حماية المصادر والعديد من الالتزامات الدولية للجمهورية التونسية.
وجدير بالذكر أن تبعات هذا المرسوم لا تقتصر على الصحفيين التونسيين وحدهم، بل إنها تطال أيضاً نظراءهم الأجانب، حيث يتيح النص للقضاء التونسي متابعة كل من يخالف أحكام الفصل 24، حتى لو وقعت المخالفة خارج تونس، وذلك “إذا ارتُكبت ضد أطراف أو مصالح تونسية”.
وعلى هذا الأساس، فإن أي صحفي أجنبي نشر معلومات يمكن أن توصف بأنها زائفة أو تتعارض مع مصالح تونسية، قد يجد نفسه متابعاً أمام القضاء التونسي على أساس محتوى تم إنتاجه في الخارج وموجَّه أصلاً لجمهور أجنبي.
وفي هذا الصدد، دعت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إلى سحب المرسوم الرئاسي رقم 54، مؤكدة أنه مخالف للدستور والتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة ومبدأ تناسب الأحكام، معتبرة في الوقت ذاته أن “هذا المرسوم يؤكد توجه السلطة في تونس نحو تكريس منظومة تشريعية وسياسية تضرب الحقوق والحريات”.
يُذكر أن تونس تمر بأزمة سياسية خطيرة تميزت بتقويض إنجازات الثورة الديمقراطية والعودة إلى نير الاستبداد، حيث أقدم الرئيس قيس سعيد في يوليو/تموز 2021 على حل الحكومة وتعليق عمل البرلمان قبل حله نهائياً، بينما احتوى جهاز القضاء تحت عباءته.
وإذا كانت خطوة الرئيس التونسي تلك قد قوبلت في البداية بترحيب عارم من بعض التونسيين المنهكين تحت وطأة الخلافات ومظاهر الشد والجذب التي لا تنتهي في البرلمان، فقد تصاعدت وتيرة الانتقادات في أعقاب سلسلة من القرارات الرئاسية التي تعيد تونس بشكل خطير إلى عهد الاستبداد والديكتاتورية.
، علماً أن ما يقرب من ثلاثة أرباع التونسيين امتنعوا عن التصويت خلال استفتاء 25 يوليو/تموز على دستور قيس سعيد الجديد، والذي تم اعتماده بنسبة 94.6٪ من الأصوات.
ثم جاء هذا المرسوم الرئاسي الجديد ليحمل في طياته تهديداً حقيقياً لحرية الصحافة، التي تُعد من أهم إنجازات الثورة الديمقراطية في البلاد.