منظمة الديمقراطية الآن: انقلاب قيس سعيد دفع تونس إلى حافة الهاوية

قالت منظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي، إن الانقلاب الذاتي الناجح وغير المتوقع الذي قام به قيس سعيّد رئيس الجمهورية التونسية، أدى إلى دفع تونس إلى حافة الهاوية.
وقالت المنظمة في دراسة أجرتها ونشرتها اليوم السبت: “لا جدال في أن هناك أمور لابد من تغييرها. يكمن التحدي حاليًا في كيفية منع الأستاذ ذي الميول الاستبدادية (قيس سعيد)، والذي يدعمه من المؤسسات الجيش فقط، من الانحراف إلى المسارات التي أدت تاريخيًا إلى الإرهاب والطغيان”.
وشددت على ضرورة أن يكون للمجتمع المدني التونسي القيادة في هذا الأمر، والحصول على دعم قوي من الحلفاء الأجانب، إذا أرادوا استعادة ديمقراطيتهم بنجاح.
وفي عشية يوم 25 يوليو/تموز—يوم الجمهورية في تونس الذي يصادف إلغاء النظام الملكي في عام 1957—أصبح الرئيس التونسي قيس سعيّد ملكًا بحكم الأمر الواقع. وكما فعل بشكل متكرر من قبل، فقد تجاوز الصلاحيات الدستورية الممنوحة لمنصبه، في محاولة للمطالبة بمزيد من السيطرة المباشرة على مقاليد الدولة. كان الاختلاف الوحيد هذه المرة أنه نجح في ذلك، وربما بشكل جيد.
في الأيام التي تلت قيام الرئيس سعيّد بإقالة رئيس الوزراء وحل البرلمان وتجريد النوّاب من الحصانة وتولي صلاحيات المدعي العام، كان التونسيون والمراقبون في الخارج يتجادلون حول ما إذا كان استيلاؤه على السلطة يعد انقلابًا. الإجابة القصيرة لذلك هي نعم. يرجع الخلاف على التصنيف إلى حد كبير إلى العبء الذي يأتي مع تصنيف ما حدث على أنه انقلاب. ما فعله سعيّد مشكوك فيه دستوريًا في أحسن الأحوال، ولا يمكن إنكار أنه قام بتركيز كل السلطات في يديه.
تدابير طارئة
قام سعيّد، أستاذ القانون الدستوري الذي انتُخب رئيسًا بشكل غير متوقع في عام 2019، باتخاذ كل هذه الإجراءات بموجب المادة 80 من الدستور التونسي، والتي تهدف إلى توفير تدابير طارئة للدفاع ضد “خطر داهم” على الجمهورية. تنص المادة 80 على أنه ينبغي على الرئيس التشاور مع رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب قبل تفعيل المادة، كما تطالب ببقاء مجلس النواب في حالة انعقاد دائم، بدلًا من تجميده أو عزله، حتى يتم تحييد “الخطر”. سعيّد، بالطبع، لم يفعل ذلك، لذا كان هذا انقلاب ذاتي، وهو مصطلح يُطلق عندما يستولي الرئيس على المزيد من السلطات من خلال تعليق أو إغلاق الهيئة التشريعية وفروع الحكومة الأخرى، وعادة ما يتم ذلك بدعم من الجيش.
ولكن لمجرد حدوث انقلاب أو انقلاب ذاتي، فهذا لا يعني أنه يجب أن ينتهي بالاستبداد. هذا هو التبرير الذي قدمه العديد من التونسيين الذين هتفوا لسعيّد، حيث تدفقوا إلى الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لشن حرب سردية، ودافعوا بشدة عن توسيع سعيّد لسلطاته.
تحول ديمقراطي
من المؤكد أن التحول الديمقراطي في تونس قد توقف منذ أن كان هناك شكل جديد من الإجماع السياسي تمخض عنه دستور جديد في عام 2014. الذي كان من المفترض أن يمثل علامة فارقة في الثورة التي أطاحت بالدكتاتور زين العابدين بن علي في عام 2011. وبدلًا من تطور النظام السياسي في تونس فقد تعرض للركود منذ ذلك الحين، ما أنهك حياة التونسيين في السنوات ما بين اعتماد الدستور الجديد وانقلاب سعيّد. على سبيل المثال، لا يزال هناك أكثر من 500 قانون بحاجة إلى تحديث لتلبية المتطلبات الدستورية الجديدة، بما في ذلك قانون العقوبات.
ربما كان سيوقف وجود قانون عقوبات محدّث ذلك النوع من عنف الشرطة الذي يتعرض له المحتجون في جميع أنحاء تونس منذ عام 2014، ما خلق فجوة بين الحكام والمحكومين. كان بإمكان نظام الحكم القائم أن يمنع الانهيار الاقتصادي في تونس، الأمر الذي دفع بالعديد من المتظاهرين الغاضبين إلى الشوارع في البداية.
كان من الممكن أن يُظهر بناء نظام العدالة على الأقل أن الثورة التونسية لا تزال تتقدم، حتى لو كان ذلك بصورة بطيئة، من خلال حل القضايا البارزة، أو تشكيل العديد من اللجان—مثل لجان مكافحة الفساد—التي دعا إليها الدستور. إنّ تعيين محكمة دستورية كان سيعني أن السلطة النهائية في قراءة الدستور التونسي ما كانت لتكون أبدًا لرئيس يُعطي الأولوية لروحه الاستبدادية على نص القانون.
لكن الطبقة السياسية المتشظية في تونس، والمنقسمة بين مختلف الأحزاب السياسية من مختلف الأطياف السياسية. وقواعد القوى المؤثرة الأخرى مثل النقابات العمالية ورجال الأعمال الأقوياء. لم تستطع أبدًا الاتفاق على أي شيء سوى الاستمرار في التنافس مع بعضها البعض من أجل أهداف ضيقة الأفق وفاسدة.
حافة الهاوية
لقد دفعت ست سنوات من هذا التراجع المطرّد بالتونسيين إلى حافة الهاوية. هذا هو السبب في أن الكثيرين يقولون الآن بأن ديمقراطيتهم ماتت بالفعل بسبب آلاف الاستقطاعات والرقابة السياسية والصفقات الفاسدة. ولهذا السبب ربما يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وليس الثورة المضادة في مصر وانقلاب عبد الفتاح السيسي، هو المقارنة التاريخية الأفضل بالنسبة لأولئك الذين يسعون لتطبيق نفس الأمر في تونس. الشعب يشعر بالحرمان والإحباط ويلقي باللوم في كل شيء على طبقة سياسية بعيدة عن هموم الناس، تعلّق بقشة من خارج هذه الطبقة المتمثّلة بقيس سعيّد الذي وعد بهزيمة الأشرار السياسيين واستعادة ما تم فقدانه.
ماذا سيفعل الملك الدستوري الجديد لتونس حيال كل هذا؟ تاريخ سعيّد ليس فيه الكثير. فهو أستاذ جامعي له رؤى كبيرة لما يجب أن تكون عليه الدولة والمجتمع التونسي—وليس سياسيًا يمكنه بناء تحالفات وإنجاز الأمور. لذا بدلًا من ذلك، فمن المرجح أنه سيحاول توسيع نطاق سلطاته لتصل إلى المؤسسات القائمة والبرلمان، من أجل تغيير الدستور نفسه في نهاية المطاف.
أدى الانقلاب الذاتي الناجح وغير المتوقع الذي قام به سعيّد إلى دفع تونس إلى حافة الهاوية. لا جدال في أن هناك أمور لابد من تغييرها. يكمن التحدي حاليًا في كيفية منع الأستاذ ذي الميول الاستبدادية، والذي يدعمه من المؤسسات الجيش فقط، من الانحراف إلى المسارات التي أدت تاريخيًا إلى الإرهاب والطغيان. ينبغي على المجتمع المدني التونسي أن تكون له القيادة في هذا الأمر، والحصول على دعم قوي من الحلفاء الأجانب، إذا أرادوا استعادة ديمقراطيتهم بنجاح.



