أحكام قاسية ضد قادة النهضة تهز تونس واتهامات بتوظيف القضاء لتصفية المعارضة

أثارت الأحكام القضائية المشددة الصادرة ضد قيادات حركة النهضة التونسية في قضية ما يعرف بـ”الجهاز السري” موجة انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، وسط اتهامات للسلطات باستخدام القضاء أداة لتصفية الخصوم السياسيين وإقصاء المعارضين.
وأصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس أحكاماً ثقيلة بحق 35 متهماً في القضية، تراوحت بين السجن 10 سنوات والسجن مدى الحياة، وشملت عدداً من أبرز قيادات حركة النهضة.
وقضت المحكمة بسجن رئيس الحركة راشد الغنوشي 30 عاماً، ونائبه ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض 42 عاماً، فيما صدر حكم بالسجن مدى الحياة إضافة إلى 76 عاماً بحق القيادي مصطفى خذر، الذي تعتبره السلطات المتهم الرئيسي في الملف.
وأعادت الأحكام القضية المثيرة للجدل إلى واجهة المشهد السياسي التونسي، خاصة أن ملف “الجهاز السري” ظل لسنوات أحد أكثر الملفات حساسية منذ اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013.
وتعود القضية إلى عام 2022 بعد شكوى مرتبطة باتهامات وجهها فريق الدفاع عن بلعيد والبراهمي لما وصفه بـ”الجهاز السري لحركة النهضة”، زاعماً تورطه في الاغتيالات السياسية وممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة.
وتنفي حركة النهضة هذه الاتهامات بشكل كامل، مؤكدة أن الملف جرى استخدامه سياسياً لضرب خصوم السلطة، وأن القضاء سبق أن نظر في جوانب مرتبطة بالقضية دون إثبات وجود علاقة تنظيمية بين الحركة وهذه الاتهامات.
وقالت هيئة الدفاع عن الغنوشي إن الحكم الجديد رفع مجموع الأحكام الصادرة بحقه في ملفات مختلفة إلى 106 سنوات، معتبرة أنها قضايا ذات خلفية سياسية مرتبطة بمواقفه وآرائه.
وأكدت الهيئة أنها ستواصل اتخاذ جميع الإجراءات القانونية للدفاع عن حقوق موكلها، ووصفت الحكم بأنه يمثل “سابقة” ضمن الملفات التي تستهدف المعارضين السياسيين.
واعتبر محامو الغنوشي أن أصل القضية يعكس طبيعتها السياسية، مشيرين إلى أن الشكوى جاءت من أطراف مرتبطة بخصومة سياسية مع حركة النهضة، وليس نتيجة مسار قضائي مستقل.
كما انتقدت الهيئة ظروف المحاكمة، مؤكدة أن الغنوشي رفض المشاركة فيها بعدما جرت عن بعد، معتبرة أنها لا توفر ضمانات المحاكمة العادلة.
من جانبها، وصفت حركة النهضة الأحكام بأنها تعكس “انحرافاً خطيراً وغير مسبوق في مسار العدالة بتونس”، معتبرة أن القضية ذات خلفية سياسية وليست قضائية.
وقالت الحركة إن مصطلح “الأمن الموازي” استخدم منذ سنوات في سياقات الصراع السياسي والانتخابي بهدف التشويه، وليس بحثاً عن الحقيقة أو العدالة.
وأضافت أن المتهم الرئيسي مصطفى خذر سبق أن تمت محاكمته عام 2013، خلال فترة كانت النهضة مشاركة فيها بالحكم، وأمضى عقوبة بالسجن لمدة ثماني سنوات.
وأكدت الحركة أن القضاء في ذلك الوقت لم يثبت وجود ارتباط بين القضية وقياداتها، معتبرة أن إعادة فتح الملف تأتي ضمن سياق سياسي جديد يستهدف المعارضة.
كما وصفت المحاكمة بأنها تفتقر إلى شروط العدالة، معتبرة أن الأحكام ستبقى “وصمة في تاريخ القضاء التونسي”.
وفي السياق نفسه، أدانت جبهة الخلاص الوطني المعارضة الأحكام، ووصفتها بأنها “صادمة”، معتبرة أنها تأتي ضمن سلسلة من القضايا التي تستهدف الشخصيات السياسية والحزبية المعارضة.
وقالت الجبهة إن البلاد تشهد تراجعاً كبيراً في ضمانات المحاكمة العادلة، متهمة السلطة التنفيذية بمحاولة السيطرة على المؤسسة القضائية واستخدامها ضد الخصوم.
وأضافت أن القضية رافقتها حملات سياسية وإعلامية واسعة ساهمت في تكوين رواية موجهة ضد المتهمين قبل صدور الأحكام.
وترى أطراف معارضة أن تكرار المحاكمات ضد السياسيين والنشطاء والإعلاميين أدى إلى تحويل الحياة العامة في تونس إلى ساحة صراع قضائي، بدلاً من التنافس السياسي الطبيعي.
في المقابل، يؤكد مؤيدو الإجراءات القضائية أن فتح هذه الملفات ضروري لكشف حقيقة الاغتيالات السياسية التي هزت تونس بعد الثورة ومحاسبة جميع المسؤولين عنها.
وتأتي الأحكام الجديدة في ظل أزمة سياسية مستمرة منذ قرارات الرئيس قيس سعيد عام 2021، عندما جمّد عمل البرلمان ثم حلّه وأعاد تشكيل النظام السياسي، وهي خطوات وصفها معارضوه بأنها انقلاب على المسار الديمقراطي، بينما يعتبرها أنصاره تصحيحاً لمسار الدولة.
وتزيد قضية “الجهاز السري” من حدة الانقسام الداخلي في تونس بين من يراها مساراً قضائياً لكشف الحقيقة، ومن يعتبرها جزءاً من مرحلة تستهدف إضعاف المعارضة وإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر المحاكم.



