حفل «تونس في سماء دبي» يشعل عاصفة سياسية في تونس ويعيد ملف تدخلات الإمارات للواجهة

فجّر حفل ترفيهي أُقيم في دبي تحت عنوان «تونس في سماء دبي» جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا في تونس، بعدما تجاوز طابعه الفني المعلن وتحول إلى قضية رأي عام، وسط اتهامات مباشرة لأبوظبي بالتدخل في الشأن التونسي، وتوظيف المال والنجومية الرقمية لتبييض صورة شخصيات مثيرة للجدل، وإعادة إنتاج أدوار سياسية بغطاء ثقافي وترفيهي.
ونظر مراقبون إلى الحفل، الذي نظّمه مغني الراب المثير للجدل المعروف باسم «كادوريم»، كحدث محمّل بالرسائل، خصوصًا مع توقيته المتزامن مع ذكرى الثورة التونسية، وما رافقه من استعراضات رمزية باستخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز)، وصور وشعارات اعتبرها معارضون «استفزازية» و«ذات دلالات سياسية واضحة».
وخلال ساعات قليلة، انتقلت ردود الفعل من انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تساؤلات سياسية وقانونية داخل البرلمان التونسي، أعادت فتح ملف الدور الإماراتي في تونس، وحدود ما يُنظر إليه كتدخل ناعم عبر المال والإعلام وصناعة المؤثرين.
في هذا السياق، أثارت النائبة في مجلس الشعب التونسي فاطمة المسدي جدلًا واسعًا بعد طرحها أسئلة مباشرة حول الجهات التي موّلت سفر وإقامة عدد من المؤثّرات التونسيات للمشاركة في التظاهرة المقامة بدبي.
واعتبرت المسدي، في تدوينة رسمية، أن ما جرى «يتجاوز إطار الترفيه»، ويدخل في خانة الترويج المنظم والمشبوه.
وتساءلت النائبة عمّن تحمّل التكاليف الباهظة للحدث، وبأي صفة تم استدعاء هؤلاء المؤثرين، وما إذا كانت مشاركتهم تندرج ضمن عقود إشهارية أو شراكات مالية تستوجب التصريح بها وفق القوانين التونسية المتعلقة بالصرف والجباية.
كما لفتت إلى الوضعية القضائية لمنظّم الحفل، الذي يواجه أحكامًا قضائية تشمل السجن والحرمان من الحقوق السياسية، متسائلة عمّا إذا كان يتم، عبر هذا الحفل، تقديم شخص مدان في قضايا تمس نزاهة العملية الانتخابية كنموذج نجاح يُروَّج له إقليميًا، في تجاهل كامل للأحكام القضائية ومؤسسات الدولة.
واعتبرت المسدي أن أخطر ما في القضية لا يتعلق فقط بالمال، بل بمحاولة «تبييض الصورة» وصناعة وعي زائف لدى فئات من الشباب، عبر خلط الفن بالسياسة والنفوذ، محذّرة من انعكاسات ذلك على صورة الدولة التونسية وسيادتها الرمزية.
كما دعت إلى توضيح دور السفارات التونسية في دولة الإمارات، وما إذا كانت قد قامت بواجبها في حماية صورة تونس واحترام مؤسساتها القضائية، أم التزمت الصمت حيال ما جرى.
وعلى المستوى السياسي والشعبي، ذهبت مواقف عدد من الناشطين أبعد من ذلك، وفي مقدمتهم الناشطة رانية الدريدي، التي ربطت بين الحفل والدور الإقليمي لدولة الإمارات في عدد من الدول العربية.
واعتبرت الدريدي أن ما حدث في دبي لا يمكن فصله عن «سجل أبوظبي» في دعم قوى وشخصيات مثيرة للانقسام، متسائلة عمّا إذا كانت الإمارات تسعى إلى تكرار نماذج تدخلها في ليبيا والسودان داخل تونس، ولكن بأساليب ناعمة هذه المرة.
واتهمت أبوظبي بالسعي إلى إعادة تشكيل المشهد التونسي عبر الترويج لشخصيات جدلية، وتقديمها كبدائل سياسية محتملة، بعد ما وصفته بإجهاض المسار الديمقراطي في البلاد.
ولفتت إلى أن الحفل تضمّن استعراضًا بالدرونز جمع صورة منظّمه إلى جانب صورة الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد، أحد أبرز رموز النضال الوطني التونسي، وهو ما اعتبرته محاولة خطيرة لخلط الرموز التاريخية بمشاريع شخصية مشبوهة.
كما أشارت إلى عرض فيلم وثائقي خلال الحفل، تضمّن مشاهد عن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في سياق اعتُبر تلميعًا غير مباشر لحقبة الاستبداد، وإعادة إدخالها إلى الوعي الجمعي التونسي تحت غطاء فني.
وبين التساؤلات البرلمانية والاتهامات السياسية والشعبية، يواصل حفل «تونس في سماء دبي» إشعال الجدل في تونس، في ظل غياب أي توضيحات رسمية من الجهة المنظمة، أو من السلطات الإماراتية، وكذلك من الجهات التونسية المعنية.
ويعيد هذا الصمت، وفق مراقبين، طرح أسئلة أعمق حول حدود التداخل بين الفن والسياسة والمال في الفضاء العربي، وحول استخدام الفعاليات الثقافية كأدوات نفوذ وتدخل سياسي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحويل السيادة الوطنية إلى مادة استعراض عابر للحدود، تُدار من عواصم أخرى وبأجندات لا علاقة لها بإرادة الشعوب.



