الحركة القضائية معلّقة في تونس.. القضاة أمام مذكرات النقل ووزارة العدل تحت الضغط

تدخل تونس سنتها القضائية الجديدة وسط جدل متصاعد بشأن مستقبل الحركة القضائية واستقلال المسار المهني للقضاة، بعدما استمر اعتماد مذكرات العمل بدلًا من الحركة القضائية السنوية التي كانت تتيح إجراء النقل والترقيات وتوزيع القضاة على المحاكم وفق آلية مؤسساتية منتظمة.
وأعادت هذه الأزمة إلى الواجهة انتقادات سياسية وقضائية تحذر من أن استمرار الوضع الحالي يضعف استقرار المحاكم، ويترك المسار المهني للقضاة أكثر ارتباطًا بالقرارات الإدارية الصادرة عن وزارة العدل، في وقت تعاني فيه محاكم تونسية من شغورات ونقص في عدد القضاة.
ويقول الكاتب العام لجمعية القضاة التونسيين، القاضي أمير قوبعة، إن الحركة القضائية حدث سنوي يشمل نقل القضاة وترقيتهم، وكان يجري عادة في الفترة الممتدة بين أغسطس ومطلع سبتمبر، بما يسمح للقضاة والمحاكم بالاستعداد للسنة القضائية الجديدة. لكنه يؤكد أن هذه الآلية غابت منذ نحو ثلاث سنوات، وحلت محلها مذكرات عمل تصدرها وزارة العدل بصورة متكررة.
وتقول جمعية القضاة إن وزارة العدل أصدرت منذ بدء اعتماد هذه الآلية عددًا كبيرًا من مذكرات العمل، شملت نقل قضاة بين المحاكم وتغيير مراكز عملهم وإسناد خطط وظيفية وسحبها من آخرين. ووفق الجمعية، بلغ عدد المذكرات نحو 1700 حتى مايو 2026، قبل أن يتواصل إصدارها خلال الأشهر التالية.
ويشير قوبعة إلى أن بعض القضاة تعرضوا لنقل لمسافات بعيدة عن مقار عملهم وسكنهم، مستشهدًا بقضاة من العاصمة نقلوا خلال العام الماضي إلى الكاف وسليانة شمال غربي البلاد، قبل إعادة نقلهم خلال العام الحالي إلى قابس وصفاقس في الجنوب والوسط الشرقي، بما أحدث حالة من عدم الاستقرار المهني والعائلي.
ويحذر القاضي من أن اضطراب تركيبة المحاكم لا ينعكس فقط على القضاة، بل يمتد إلى المتقاضين وسير الملفات. فالقضايا التي تتطلب جلسات متعاقبة ومتابعة من القضاة أنفسهم قد تواجه تغيرًا متكررًا في تركيبة الدوائر، الأمر الذي يربك سير المحاكم ويؤثر في استقرار العمل القضائي.
وتتزامن هذه الانتقادات مع استمرار وجود شغورات في عدد من المناصب القضائية العليا، إلى جانب نقص في أعداد القضاة في محاكم كبرى، وفق جمعية القضاة. وترى الجمعية أن استمرار الشغورات وتعطيل استكمال تركيبة مؤسسات القضاء يترك وزارة العدل في موقع أكثر تأثيرًا على المسار المهني للقضاة.
وتؤكد الجمعية أن غياب المجلس الأعلى للقضاء بصيغته السابقة، واستمرار العمل بالمجلس المؤقت في ظل شغورات تعرقل نشاطه، ساهما في اتساع دور وزارة العدل في إدارة المسارات المهنية. وتعتبر أن تحويل مذكرات العمل من إجراء استثنائي إلى آلية متكررة أدى إلى إضعاف الضمانات المرتبطة باستقرار القاضي واستقلاله.
وفي السياق ذاته، يقول المحامي سمير ديلو إن الحركة القضائية أُلغيت عمليًا، وإن مذكرات العمل أصبحت البديل عنها، معتبرًا أن هذه الآلية لا توفر الضمانات نفسها المرتبطة باستقلال القضاء، ولا تحقق الاستقرار النفسي والعائلي والمهني للقضاة.
ويرى السياسي محمد الكيلاني أن غياب المجلس الأعلى للقضاء عن دوره في النظر في نقل القضاة جعل وزارة العدل صاحبة الدور الأبرز في إدارة المسار المهني، معتبرًا أن ذلك سهّل، بحسب وصفه، تدخل السلطة التنفيذية في القضاء.
كما وصف المنسق العام لحزب المسار، جنيدي عبد الجواد، استمرار الوضع بأنه غير طبيعي، داعيًا القضاة إلى الدفاع عن استقلال مهنتهم، باعتبار أن القضاء المستقل يشكل إحدى الضمانات الأساسية للعدالة.
وتصعّد جمعية القضاة لهجتها تجاه الوضع، إذ حذرت في بيان صدر في سبتمبر 2026 من أن غياب الحركة القضائية يهدد حسن سير القضاء واستقلاله، وانتقدت استمرار الشغورات في مناصب قضائية عليا، من بينها رئاسة محكمة التعقيب ورئاسة محكمة المحاسبات ووكالة الدولة العامة لدى محكمة التعقيب والتفقد العام ورئاسة المحكمة العقارية. كما انتقدت استمرار العمل بمذكرات العمل التي قالت إنها شملت مئات القضاة خلال الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، تظهر في الرائد الرسمي خلال أغسطس 2026 قرارات تتعلق بترقيات قضائية تدخل حيز التنفيذ في 16 سبتمبر، إذ شملت ترقية 127 قاضيًا عدليًا، بينهم 54 قاضيًا من الرتبة الثانية إلى الثالثة و73 من الرتبة الأولى إلى الثانية. كما صدرت تعيينات في القضاء العسكري شملت 57 قاضيًا وضابطًا قضائيًا.
لكن هذه الترقيات لا تنهي جوهر الاعتراض الذي تطرحه جمعية القضاة، إذ تميز الجمعية بين الترقيات والقرارات الفردية من جهة، وبين الحركة القضائية السنوية الشاملة التي تنظم توزيع القضاة وتضمن استقرار تركيبة المحاكم من جهة أخرى.
وتضع هذه الأزمة القضاء التونسي أمام اختبار مؤسسي حساس، في ظل استمرار الخلاف حول الجهة التي ينبغي أن تدير المسارات المهنية للقضاة، وحول حدود تدخل وزارة العدل في النقل والتكليفات والترقيات.
ويحذر مختصون من أن استمرار الاعتماد الواسع على مذكرات العمل قد يحول إجراءً استثنائيًا إلى قاعدة دائمة، بما يضاعف هشاشة الاستقرار داخل المحاكم ويزيد مخاوف القضاة بشأن مستقبلهم المهني.
وبينما تؤكد السلطة التنفيذية أن مؤسسات الدولة تواصل العمل وفق الأطر القائمة، ترى جمعية القضاة وشخصيات سياسية وحقوقية أن استمرار الفراغ المؤسسي وتكرار النقل والتكليفات يفتحان الباب أمام مزيد من التدخل في القضاء.
وتبقى المسألة الأساسية المطروحة مع انطلاق السنة القضائية الجديدة هي ما إذا كانت تونس ستستعيد حركة قضائية منتظمة تستند إلى آلية مؤسسية واضحة، أم أن مذكرات العمل ستواصل أداء الدور الذي كانت تؤديه الحركة القضائية، في ظل استمرار الجدل بشأن استقلال القضاء وحدود سلطة وزارة العدل على المسار المهني للقضاة.



