صيف السخط في تونس.. أزمات الكهرباء والمياه والاقتصاد تضاعف الغضب الشعبي

تفاقمت خلال صيف 2026 الأزمات المعيشية في تونس، مع تكرار انقطاعات الكهرباء ونقص المياه وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، لتتحول الخدمات الأساسية إلى محور رئيسي للغضب الشعبي، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة.
وتناول تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تداعيات هذه الأزمات وانعكاسها على الشارع التونسي بما في ذلك ما تشهده البلاد من اجتجاجات شعبية تطالب بتنحي رئيس الجمهورية قيس سعيد من منصبه.
وسجلت تونس خلال الصيف موجات حر شديدة وصلت درجات الحرارة خلالها إلى أواخر الأربعينيات مئوية، فيما ارتفع الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية بلغت نحو 6 جيجاوات، بزيادة تجاوزت 33% عن المعدل الطبيعي.
وأدى الضغط على شبكة الكهرباء إلى انقطاعات متكررة لساعات، خصوصاً خلال فترات ارتفاع الحرارة، ما عطّل المنازل والمتاجر والمؤسسات ورفع المخاطر على الفئات الأكثر تعرضاً للحرارة.
وأظهرت أزمة الكهرباء هشاشة قطاع الطاقة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي واعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الغاز المستورد لتشغيل محطات التوليد. وأوضح التقرير أن الاستثمار في الطاقة المتجددة ظل لسنوات أقل من الخطط الموضوعة، بينما واجهت الشركة التونسية للكهرباء والغاز “STEG” ضغوطاً مالية حدت من قدرتها على تحديث شبكة الكهرباء القديمة والاستثمار فيها.
وبلغت ديون الشركة نحو 2.6 مليار دولار في يونيو/حزيران، فيما وصلت قيمة الفواتير غير المدفوعة المستحقة لها من العملاء من القطاع الخاص والمؤسسات العامة إلى نحو 2.1 مليار دولار.
ودافعت الشركة عن إجراءات تخفيف الأحمال باعتبارها ضرورية لتجنب انهيار أوسع للشبكة، لكن الأسر والشركات تعاملت معها باعتبارها تراجعاً في الخدمات الأساسية.
وانعكست أزمة الكهرباء مباشرة على قطاع المياه، بعدما أدت الانقطاعات إلى تعطيل محطات الضخ في مناطق مختلفة. وتزامن ذلك مع ندرة مائية هيكلية تعاني منها تونس بسبب الجفاف واستنزاف المياه الجوفية، ما جعل الحصول على المياه المعبأة أكثر صعوبة خلال الصيف.
ورصد التقرير نقصاً حاداً في المياه المعبأة داخل متاجر في العاصمة وضواحيها، بينما تحدث تونسيون عن قضاء ساعات في طوابير لشراء المياه. وتصاعدت التوترات في بعض المواقع إلى مشاجرات، فيما تعرضت شاحنات تنقل المياه المعبأة للنهب وسط تدافع السكان للحصول على الإمدادات.
وقال التقرير إن السلطات صادرت أكثر من 147 ألف لتر من المياه المعبأة منذ منتصف يوليو/تموز، في إطار إجراءات لمواجهة التخزين غير القانوني واضطرابات الإمداد.
وزادت الضغوط الاقتصادية من حدة الأزمة. وبلغ معدل التضخم السنوي في تونس 5.4% في أغسطس/آب، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 7.5% على أساس سنوي. كما بلغت البطالة نحو 15% في نهاية عام 2025، في حين قدر البنك الدولي الدين العام بنحو 82.2% من الناتج المحلي الإجمالي في العام نفسه، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 85% خلال 2026.
وطالت الأزمة القطاع الصحي أيضاً، بعدما أدت مشكلات الإمداد وارتفاع الأسعار إلى زيادة الضغوط على الأسر. وفي يوليو/تموز، وافقت الصيدلية المركزية على زيادات في أسعار نحو 300 دواء، بينها أدوية تستخدم لعلاج السكري وأمراض القلب واضطرابات الغدة الدرقية وأمراض مزمنة أخرى.
وبررت الحكومة الزيادات بالحاجة إلى ضمان استمرار توفر الأدوية، بينما أثارت الخطوة اعتراضات من المرضى ونقابة العمال التونسية العامة وأعضاء في البرلمان.
وتزامنت هذه الأزمات مع تزايد الانتقادات الموجهة إلى الرئيس قيس سعيد، بعدما كان قد وصل إلى السلطة عام 2019 بوصفه شخصية من خارج المنظومة السياسية، مستفيداً من غضب شعبي واسع تجاه الأحزاب والطبقة السياسية والفساد والركود الاقتصادي.
وفي 25 يوليو/تموز 2021، علق سعيد عمل البرلمان وأقال رئيس الوزراء ومنح الرئاسة صلاحيات واسعة، في خطوة وصفها معارضون وجماعات حقوقية بأنها انقلاب.
ويشير التقرير إلى أن كثيراً من التونسيين رحبوا في البداية بهذه الإجراءات بسبب الإحباط من سنوات الجمود السياسي، لكن استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية جعل تحميل المسؤولية للمنظومة السياسية السابقة أقل إقناعاً بالنسبة إلى قطاعات من الشارع.
وأظهر الغضب نفسه في الاحتجاجات المحدودة وفي استخدام السخرية والفكاهة السوداء للتعبير عن الاستياء من أداء السلطة. وقال مايكل عياري، كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية لشؤون تونس، إن الاضطرابات لم تتحول بعد إلى حركة سياسية منسقة ضد سعيد، بسبب وجود “فجوة كبيرة بين الغضب والتعبئة”، لكنه اعتبر أن تراكم الاحتجاجات حول قضايا مختلفة يشير إلى دخول الرئيس مرحلة أكثر هشاشة.
وتقلص في الوقت نفسه مجال المعارضة السياسية المنظمة، مع استمرار محاكمة وسجن شخصيات معارضة بارزة. وأيدت محكمة النقض في سبتمبر/أيلول أحكاماً مطولة بحق عشرات من شخصيات المعارضة، فيما واجهت أحزاب وشخصيات أخرى صعوبات في التحرك السياسي العلني. ونتيجة لذلك، بقي الغضب الاجتماعي أكبر من قدرة القوى السياسية المعارضة على تنظيمه في حراك واسع.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى السياسة الخارجية، مع اعتماد تونس المتزايد على الدعم الإقليمي والدولي. وعززت الجزائر تعاونها مع تونس في مجالات الطاقة والتجارة والأمن والدفاع، بينما واصل الاتحاد الأوروبي التعاون مع تونس في ملفات الهجرة ومراقبة الحدود والطاقة والاستثمار.
وتشمل الأزمة في تونس ارتفاع كلفة الغذاء والدواء، وتراجع الخدمات العامة، وضعف الاستثمار، وارتفاع الدين والبطالة.
ويرى محللون نقل عنهم التقرير أن الخطابات التي كانت تنسب الأزمات إلى الأحزاب ورجال الأعمال والمهاجرين والقوى الأجنبية تواجه صعوبة أكبر في إقناع المواطنين مع استمرار تدهور ظروف الحياة اليومية.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع الفجوة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي في تونس، حيث أصبح المواطنون يطالبون بالخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وأدوية وفرص عمل، فيما لم يتحول الغضب المتراكم حتى الآن إلى حراك سياسي واسع ومنظم، فيما يبقى تدهور البنية التحتية والضغوط الاقتصادية واستمرار التضييق على المعارضة عوامل تضغط في اتجاه زيادة التوتر الاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.



