احتجاجات تونس تتسع ضد البطالة وتدهور الخدمات وسط تصاعد الانتقادات لقيس سعيّد

تتصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدة محافظات تونسية للمطالبة بالتنمية والتشغيل والكرامة، وهي المطالب التي ارتبطت بالثورة التونسية التي اندلعت في 14 يناير/كانون الثاني 2011، فيما ينضم الأهالي إلى المعطلين عن العمل في تحركات احتجاجية تعبر عن الغضب من وعود لم تنفذ وقوانين لم تدخل حيز التطبيق، وسط تدهور متواصل في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وتستعد عدة محافظات من الشمال إلى الجنوب لتنظيم تحركات احتجاجية، الخميس 17 سبتمبر/أيلول، بعد حراك شعبي حاشد شهدته مدينة منزل بوزيان في محافظة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، الاثنين الماضي. وشهدت المدينة، الأربعاء، تحركاً ثانياً للمعطلين عن العمل تحت شعار “شغل حرية كرامة وطنية”، بالتزامن مع استعداد عدة معتمديات للانضمام إلى الاحتجاجات.
وسجلت محافظة القصرين، وسط غرب البلاد، الثلاثاء، حالة احتقان، بعدما احتج معطلون من حاملي الشهادات العليا برفقة أطفالهم وعائلاتهم، مطالبين بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، الذي ينص على انتدابهم في الوظيفة العمومية.
وتتواصل كذلك احتجاجات أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل في ولاية قابس وعدة ولايات أخرى، فيما تجددت في 14 سبتمبر/أيلول الدعوات إلى تنظيم وقفة احتجاجية جهوية أمام مقر محافظة قابس.
وفي محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، عقد الرئيس التونسي قيس سعيّد اجتماعاً مع رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، مساء الثلاثاء، لبحث إعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة.
وأكد سعيّد، وفق بيان للرئاسة، ضرورة إدراج الخيارات الواردة في مشروع القانون ضمن إطار المخطط الخماسي المصادق عليه، بما يضمن تحقيق التوازن الجهوي وتوفير فرص العمل وتحقيق الكرامة بصورة فعلية.
وتربط شخصيات سياسية ومدنية بين تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والأزمة السياسية في البلاد. وقال المتحدث باسم الحزب الجمهوري، وسام الصغير، إن الحراك الاجتماعي “في عمقه هو حراك سياسي”، معتبراً أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية تتقاطع مع المسألة السياسية، وأن تفاقم الأزمة قد يؤدي إلى التقاء الحراك القطاعي الاجتماعي بالفعل السياسي.
وأشار الصغير إلى أن دخول الاتحاد العام التونسي للشغل على خط التحركات، ودعوته إلى الإضراب العام، يمثل تطوراً مهماً في المشهد، معتبراً أن تحركات الاتحاد تحمل رسالة إلى السلطة بشأن ما وصفه بمواجهة الاستبداد والظلم.
وقال وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام إن تونس تشهد حركة احتجاجية متنامية في العاصمة والجهات، تشمل مطالب تتعلق بانقطاع المياه والكهرباء ونقص مقومات الحياة الأساسية، إلى جانب التشغيل والخدمات والتهميش.
وربط عبد السلام بين تصاعد الاحتجاجات ودخول الاتحاد العام التونسي للشغل على خط التحركات الجهوية، معتبراً أن الساحة الاجتماعية تتجه إلى مزيد من التوتر. واتهم السلطة بعدم القدرة على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين ورفض الحوار والمفاوضات الاجتماعية، وقال إن التحركات الاجتماعية والسياسية تسيران حالياً في مسارين متوازيين، لكنهما تتجهان تدريجياً نحو الالتقاء.
كما انتقد عبد السلام ما وصفه بـ”حملات القمع الممنهج” التي تشمل الاعتقالات والمحاكمات السياسية وتكميم الأفواه باستخدام المرسوم 54، معتبراً أن مبادرات سياسية ومجتمعية وجبهات سياسية بدأت في التشكل بالتوازي مع الحراك الاجتماعي.
وتصاعدت، وفق عبد السلام، الشعارات السياسية الموجهة إلى رأس السلطة داخل الاحتجاجات الاجتماعية، بعد ما وصفه بـ”التجاهل والتلاعب والقمع” تجاه المطالب الشعبية. وقال إن الاتحاد العام التونسي للشغل أدرج في بياناته ومطالبه قضايا الحريات ورفض المحاكمات السياسية وتوظيف القضاء.
بدوره، قال الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي إن المعطلين عن العمل يواجهون وعوداً لم تجد طريقها إلى التنفيذ، منتقداً ما وصفه بزيف الشعارات التي رفعتها سلطة قيس سعيّد بشأن التشغيل والعدالة الاجتماعية والحق في العيش الكريم. وطالب الحزب السلطة بوقف المماطلة والتسويف وتفعيل قانون من طالت بطالتهم.
وتتسع رقعة تحركات المعطلين عن العمل، بحسب الباحث المختص في التحركات الاجتماعية رمضان بن عمر، الذي قال إن نحو 18 تحركاً احتجاجياً ستنظم الخميس في مراكز محافظات أريانة وتطاوين والكاف وبنزرت وجندوبة وسوسة والمنستير والمهدية وقفصة وتوزر، إلى جانب تحركات في معتمديات بينها بئر علي بن خليفة ومنزل بوزيان والمكناسي والرديف، على أن تشهد ولاية نابل تحركاً الجمعة.
واعتبر بن عمر أن السلطة تواجه اختباراً حقيقياً أمام هذه التحركات، بين التعامل الأمني معها أو محاولة تشويهها عبر خطاب المؤامرة والتخوين واتهام أطراف خارجية، مشيراً إلى أن هذا الخطاب تستخدمه السلطة، بحسب رأيه، عند مواجهة تحركات مرتبطة بمطالب اجتماعية واقتصادية.
وقالت وئام العثماني، الناشطة في المجتمع المدني وإحدى العاطلات عن العمل في منزل بوزيان، إن الحراك في المدينة سلمي لكنه يتجه إلى التصعيد، بسبب عدم تفعيل القانون 18 الصادر في الجريدة الرسمية عام 2025، وعدم تنفيذ الوعود المقدمة للعاطلين.
وأضافت أن مدة بطالتها بلغت 14 عاماً، فيما يوجد أشخاص عاطلون عن العمل منذ 20 و25 عاماً أو أكثر، معتبرة أن الوضع في المنطقة “سيئ للغاية” وأن جميع معتمديات سيدي بوزيد ستشارك في الاحتجاجات بمساندة الأهالي.
وأكدت العثماني أن التحركات لا تخضع لقيادة محددة، وأن المشاركين يؤطرونها بأنفسهم للحفاظ على طابعها السلمي، إلى حين تحقيق مطالبهم المتعلقة بالشغل والكرامة.



