تونس بين الاستبداد والعطش.. أزمة الماء والكهرباء تضع سلطة قيس سعيّد أمام اختبار الفشل

تعيش تونس أزمة متصاعدة في خدمات الماء والكهرباء، أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول قدرة السلطة الحالية على إدارة الدولة، بعد نحو خمس سنوات من تركيز الرئيس قيس سعيّد معظم مفاصل القرار السياسي في مؤسسة الرئاسة، وسط تراجع الحريات وتضييق المجال السياسي واستمرار ملاحقة المعارضين.
وتأتي الأزمة في مفارقة لافتة مع الشعارات التي رفعتها الثورة التونسية عام 2011، وفي مقدمتها “خبز وماء وبن علي لا”، وهو الشعار الذي عبّر آنذاك عن رفض التونسيين المقايضة بين الحقوق الأساسية والحرية السياسية. وبعد أكثر من 15 عاماً، يجد التونسيون أنفسهم أمام واقع مختلف، إذ تتراجع الحريات السياسية وتتسع دائرة الاعتقالات، بينما أصبحت خدمات أساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء، مصدر قلق يومي لشرائح واسعة من المواطنين.
وشهدت مناطق تونسية خلال الأسابيع الماضية انقطاعات متكررة للمياه والكهرباء، بالتزامن مع موجات حر رفعت معدلات الاستهلاك وضاعفت الضغط على شبكات تعاني مشكلات متراكمة. ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المنازل، بل امتدت إلى قطاعات الإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات.
وتضررت مزارع ومنشآت إنتاجية من الانقطاعات، فيما أدى توقف أنظمة التهوية والتبريد والمياه في بعض المزارع إلى نفوق أعداد من الدواجن، الأمر الذي يهدد بتحويل الأزمة الخدمية إلى خسائر اقتصادية وضغوط إضافية على أسعار السلع الغذائية.
كما طاولت الأزمة قطاع المياه المعبأة، الذي تحول إلى أحد أبرز مظاهر الاختلال في السوق. ويلجأ المواطنون عادة إلى شراء المياه المعبأة عند انقطاع مياه الشبكة أو تراجع انتظامها، إلا أن ارتفاع الطلب خلال موجات الحر، بالتزامن مع تأثير انقطاعات الكهرباء على عمليات الإنتاج والتعبئة، أدى إلى ضغط كبير على الكميات المتاحة.
وكشفت أزمة المياه المعبأة عن مشكلة أوسع تتعلق بقدرة السوق والدولة على الاستعداد لمواسم الذروة. فقد اعتاد تجار الجملة في السابق بناء مخزونات خلال فصلي الشتاء والربيع، ثم ضخها تدريجياً خلال الصيف، بما يوفر هامش أمان يساعد على امتصاص الارتفاع الموسمي في الطلب.
لكن تشديد السلطة حملاتها ضد ما تصفه بالاحتكار والمضاربة جعل التخزين نفسه محل مخاطرة بالنسبة لبعض التجار، الذين يخشون أن تتحول الكميات المخزنة إلى سبب للمساءلة. وأدى ذلك، وفقاً لعاملين في القطاع، إلى تقليص مخزونات الأمان قبل موسم الصيف، لتظهر المشكلة بوضوح عندما ارتفع الطلب بصورة استثنائية.
وتطرح هذه التطورات انتقادات لطريقة تعامل السلطة مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إذ يتكرر في الخطاب الرسمي الحديث عن المحتكرين والمضاربين والمتآمرين والمخربين، بينما يرى منتقدون أن إدارة الأزمات تتطلب التخطيط المبكر وصيانة البنية التحتية والاستثمار في شبكات الإنتاج والتوزيع وبناء احتياطات للطوارئ.
وأعاد الرئيس قيس سعيّد بدوره طرح فرضية “التخريب المتعمد” في تفسير بعض الانقطاعات، متحدثاً عن جهات تسعى إلى إثارة التوتر وحرمان المواطنين من الخدمات.
ورغم إمكانية وجود أعمال تخريب في بعض المواقع، فإن منتقدي السلطة يرون أن أزمة تمتد إلى مناطق متعددة لا يمكن اختزالها في حوادث فردية، مؤكدين أن مسؤولية حماية المنشآت وضمان استمرارية الخدمات والاستعداد للأعطال تقع في النهاية على الدولة ومؤسساتها.
وتكتسب هذه المسؤولية بعداً سياسياً أكبر بالنظر إلى التحولات التي شهدتها تونس منذ 25 يوليو/تموز 2021، عندما بدأ قيس سعيّد سلسلة إجراءات أدت إلى حل البرلمان السابق وإعادة تشكيل النظام السياسي ووضع دستور جديد عزز صلاحيات الرئاسة.
ومنذ ذلك الحين، تقلص دور المؤسسات السياسية المنافسة، وأصبح مركز القرار أكثر ارتباطاً بالرئاسة، الأمر الذي يجعل من الصعب، وفق منتقدي النظام، تحميل أطراف سياسية مستقلة مسؤولية الأزمات الحالية.
وتبرز هنا معضلة أساسية تواجه الحكم الفردي، إذ إن تركيز السلطة غالباً ما يُقدَّم باعتباره وسيلة لتسريع القرار وتحسين الكفاءة. لكن الأزمة تصبح أكثر تعقيداً عندما لا يؤدي تجميع الصلاحيات إلى تحسين الخدمات الأساسية.
ويخشى مراقبون من أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز الجانب الخدمي، خصوصاً مع انتقال آثارها إلى قطاعات الزراعة والصناعة والصحة والسجون. فتعطل الكهرباء لا يعني انطفاء المنازل فقط، بل قد يؤدي إلى توقف المصانع وتعطيل الإنتاج وخسائر اقتصادية وارتفاع في الأسعار.
كما أثارت الظروف داخل السجون انتقادات حقوقية، في ظل الحديث عن الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة والانقطاعات وتدهور أوضاع بعض السجناء، الأمر الذي يضع السلطات أمام مسؤولية إضافية تجاه الأشخاص الموجودين تحت إشرافها المباشر.
ويتزامن ذلك مع اتساع حالة الاستياء المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، لتتحول الأزمات الاجتماعية تدريجياً إلى قضية سياسية. فقد لم تعد مطالب المواطنين مقتصرة على الماء والكهرباء، بل تختلط في بعض الاحتجاجات بالدعوات إلى تحسين الظروف المعيشية وإطلاق سراح المعتقلين واستعادة الحريات.
وتواجه سلطة قيس سعيّد بذلك اختباراً يتجاوز أزمة صيفية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. فبعد سنوات من تقليص المجال السياسي وتوسيع صلاحيات الرئاسة، أصبح السؤال المطروح أكثر مباشرة: ماذا حققت السلطة بكل الصلاحيات التي جمعتها؟
فالمواطن قد يقبل بتفسير أزمة مؤقتة إذا وجد مصارحة وخطة واضحة لمعالجتها، لكن استمرار الانقطاعات وتراجع الخدمات، بالتزامن مع تكرار الحديث عن المؤامرات والتخريب، يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
وبعد أكثر من 15 عاماً على الثورة، تعود تونس إلى مفارقة مؤلمة. فقد رفض التونسيون الاستبداد وهم يرفعون شعار “خبز وماء وبن علي لا”، أما اليوم، فإن السلطة تواجه سؤالاً أكثر قسوة: كيف يمكن تبرير تركيز السلطة وتقييد السياسة إذا عجزت الدولة في المقابل عن ضمان الماء والكهرباء؟



