أخبار تونسرئيسي

بعد تثبيت الأحكام.. “قضية التآمر” تغلق باب القضاء وتفتح أزمة تونس على مصراعيها

أغلقت محكمة التعقيب في تونس آخر أبواب الطعن القضائي في القضية المعروفة إعلامياً باسم “التآمر على أمن الدولة 1″، بعد رفضها الطعون المقدمة في الأحكام الصادرة بحق عشرات السياسيين والمحامين والنشطاء، في خطوة تنقل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في عهد الرئيس قيس سعيّد من ساحة القضاء إلى مواجهة سياسية وحقوقية مفتوحة.

وقضت محكمة التعقيب، في الثالث من سبتمبر/أيلول الجاري، برفض 46 طعناً، بينها 44 طعناً رفضت أصلاً وطعنان رفضا شكلاً، لتصبح الأحكام الصادرة في القضية نافذة ونهائية، بعد مسار قضائي بدأ التحقيق فيه في فبراير/شباط 2023 وشمل أكثر من 40 متهماً من سياسيين ورجال أعمال ومحامين وشخصيات معارضة.

وتراوحت الأحكام التي أيدتها محكمة التعقيب بين خمس سنوات و45 عاماً، وشملت عقوبات بالسجن والمراقبة الإدارية ومصادرة أملاك بعض المتهمين، لتغلق بذلك آخر نافذة قضائية كانت متاحة أمام عدد من أبرز وجوه المعارضة التونسية.

لكن إغلاق الملف قضائياً لم يعن نهاية القضية. فعلى العكس، يبدو أن قرار محكمة التعقيب فتح فصلاً جديداً من الصراع السياسي والحقوقي في تونس، حيث تعتبر المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان أن القضية أصبحت رمزاً لما تصفه بتراجع الحريات وتضييق المجال السياسي منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد عام 2021.

ووجهت إلى المتهمين سلسلة اتهامات خطيرة، من بينها “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي” وتكوين تنظيم إرهابي ومحاولة تغيير هيئة الدولة، إضافة إلى اتهامات أخرى مرتبطة بالأمن الوطني. وينفي المتهمون وهيئات دفاعهم هذه الاتهامات، مؤكدين أن القضية تستهدف شخصيات سياسية معارضة وناشطين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

واعتبرت منظمة العفو الدولية أن تثبيت الأحكام يمثل “ضربة مدمرة للعدالة”، وقالت إن المحاكمة شابتها انتهاكات خطيرة لضمانات المحاكمة العادلة، بينها عقد جلسات عن بعد وحرمان بعض المتهمين من الحضور الفعلي أمام المحكمة.

وأكدت المنظمة أن القضية شملت شخصيات معارضة بارزة ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان، وأن الأحكام وصلت إلى 45 عاماً، مطالبة السلطات التونسية بإلغاء الإدانات والإفراج عن المحتجزين الذين تقول إنهم سجنوا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم السياسية والمدنية.

وتضم قائمة المحكومين شخصيات سياسية وحقوقية بارزة، بينها المحامي الحقوقي العياشي الهمامي والسياسي المعارض أحمد نجيب الشابي والناشطة السياسية شيماء عيسى، إلى جانب شخصيات أخرى ظلت في السجن منذ عام 2023.

ويزيد الوضع الصحي لعدد من المعتقلين من خطورة الأزمة، خصوصاً في ظل تقدم بعضهم في السن ومعاناتهم من مشكلات صحية. وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت قبل صدور حكم محكمة التعقيب من أن موجات الحر المتلاحقة، التي تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 درجة مئوية، فاقمت أوضاع المعتقلين داخل زنازين ضعيفة التهوية.

وأشارت المنظمة بصورة خاصة إلى وضع أحمد نجيب الشابي، البالغ 82 عاماً، مطالبة بضمان الرعاية الصحية وظروف احتجاز تتوافق مع المعايير الدولية.

وتزامن قرار محكمة التعقيب مع تحذيرات حقوقية خطيرة بشأن الأوضاع داخل السجون التونسية. وقال رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي، إن الرابطة وثقت نحو 20 حالة وفاة داخل السجون تزامناً مع موجة الحر الأخيرة.

وأوضح أن التحقيق القضائي شمل 16 ملفاً من هذه الحالات، فيما تحدث عن اكتظاظ شديد ونقص في التهوية وانتشار الأمراض وضعف الرعاية الصحية، محملاً الإدارة العامة للسجون ووزارة العدل مسؤولية تقديم توضيحات بشأن هذه الوفيات.

وفي تطور يعكس اتساع القلق داخل المجتمع المدني، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إنشاء إطار تنسيقي مشترك.

وحذرت المنظمات الثلاث من أن تونس تمر بأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، معتبرة أن السياسات المتبعة أسهمت في تراجع القدرة الشرائية واتساع الفقر والبطالة والهشاشة.

كما أعربت عن قلقها من تراجع الحقوق والحريات، والتضييق على العمل السياسي والنقابي والمدني، والمس باستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى أوضاع السجون وحرية الصحافة والقيود المفروضة على الصحفيين. ودعت إلى فتح حوار مجتمعي وسياسي للبحث عن مخرج للأزمة.

ويضع تثبيت الأحكام السلطة التونسية أمام اختبار سياسي وإنساني جديد. فالمسار القضائي انتهى بالنسبة إلى القضية، لكن بقاء عشرات المعارضين خلف القضبان بأحكام تصل إلى 45 عاماً يعني أن الملف سيظل حاضراً في السياسة التونسية وفي تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.

ولا تبدو حتى الآن مؤشرات على توجه نحو تسوية سياسية أو إطلاق سراح المعتقلين، في وقت يتمسك فيه الرئيس قيس سعيّد بخطابه الرافض للتفاوض مع من يصفهم بـ”الخونة” و”المتآمرين”.

وهكذا، تحولت “قضية التآمر” من ملف قضائي إلى عنوان لأزمة أوسع تتعلق بمستقبل الحريات واستقلال القضاء والمعارضة السياسية في تونس.

فبينما تعتبر السلطة القضية مرتبطة بحماية أمن الدولة، ترى المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان أنها أصبحت نموذجاً لاستخدام القضاء في مواجهة الخصوم السياسيين. وبين الروايتين، يبقى عشرات المعتقلين وعائلاتهم أمام مستقبل مجهول.

وقد يكون الحكم النهائي قد أغلق أبواب محكمة التعقيب، لكنه لم يغلق الأسئلة الكبرى التي تواجه تونس اليوم: هل تستطيع البلاد الخروج من منطق المواجهة والإقصاء؟ وهل يمكن معالجة الأزمة السياسية عبر استمرار السجون والأحكام الثقيلة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق