أزمات الكهرباء والمياه والغذاء تعصف بتونس.. غياب الحلول يفاقم هشاشة الدولة

تعيش تونس حالة متواصلة من الأزمات المتداخلة، مع تكرار اضطرابات شح المواد الغذائية وانقطاع الكهرباء والمياه، في وقت تتزامن فيه هذه المشكلات مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، ما يضاعف الضغوط على المواطنين ويكشف هشاشة البنية التحتية وقدرة الحكومة على إدارة الأزمات.
وخلال الأيام الماضية، تصاعدت حدة انقطاع التيار الكهربائي في عدد من المناطق، بالتزامن مع توقف التزويد بالمياه الصالحة للشرب، فيما واجهت السوق اضطرابات في توفير المياه المعلبة، التي تمثل مصدراً أساسياً للشرب لدى شريحة واسعة من التونسيين.
وأدى تزامن هذه الأزمات إلى زيادة حالة التذمر الشعبي، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة، حيث وجد المواطنون أنفسهم أمام صعوبات متزامنة في الحصول على خدمات أساسية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية.
وتتفاقم المشكلة بسبب غياب تفسير واضح ومقنع من السلطة بشأن أسبابها وآليات التعامل معها. فبدلاً من تقديم رؤية شاملة لمعالجة الاختلالات، يبرز خطاب سياسي وإعلامي يعيد تفسير الأزمات الاقتصادية والخدمية من خلال الحديث عن لوبيات ومؤامرات تستهدف الدولة.
ولا يمكن إنكار أن جزءاً من الأزمات الحالية يعود إلى تراكمات قديمة وإشكالات تعود إلى مراحل سابقة من بناء الدولة التونسية، إلا أن رد جميع الصعوبات إلى مؤامرات متتالية لا يقدم حلولاً عملية للأزمات المتفاقمة.
وتكشف التطورات الحالية، في المقابل، عن أزمة هيكلية أعمق تضرب الاقتصاد التونسي، ترتبط بسوء التعامل مع المستجدات وغياب استراتيجيات قادرة على استشراف احتياجات البلاد على المديين المتوسط والبعيد.
وتبرز أزمة الكهرباء مثالاً واضحاً على ذلك، إذ لا يكفي التعامل معها من خلال الوعود أو التدخلات الطارئة، بل تحتاج إلى تنفيذ إصلاحات تضمن موثوقية الشبكة وقدرتها على تحمل الطلب، إلى جانب ضمان القدرة على تحمل تكاليف الإنتاج والاستخدام الإنتاجي للطاقة.
ويشمل ذلك إعطاء الأولوية لإصلاح قطاعات الغاز والطاقة المتجددة والكهرباء، بالتوازي مع الاستثمار في شبكات النقل والتحكم في الأسعار وتطوير تجمعات الطاقة الإقليمية، بما يسمح بتحسين قدرة البلاد على مواجهة الطلب المتزايد.
ولا تنفصل أزمة الخدمات عن الوضع الاقتصادي والمالي، في ظل الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل والتمويل الطارئ بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهو ما أدى إلى تضييق الحيز المالي وزيادة تكاليف خدمة الدين.
وبحسب الطرح الوارد في المادة، فإن حجم القروض التي حصلت عليها تونس لا يتناسب مع النتائج التنموية المحققة، ما يثير تساؤلات حول جدوى السياسات التي تعتمد على التمويل الطارئ دون ربطه بإصلاحات واستثمارات قادرة على إنتاج نتائج مستدامة.
وتحذر التجارب المختلفة من أن تنفيذ المشاريع دون دراسة كافية قد يدفع الدول إلى مزيد من القيود المالية، فضلاً عن مخاطر الوقوع في براثن التلوث الكربوني، من دون تحقيق مكاسب تنموية حقيقية.
وبذلك، لا تبدو المشكلة في غياب الإنفاق فقط، وإنما في طبيعة الخيارات والسياسات التي تحدد كيفية توجيه الموارد المحدودة نحو القطاعات الأكثر حاجة.
وتتزامن أزمات الكهرباء والمياه مع ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والإجهاد الحراري، وهي عوامل كان يفترض أن تدفع إلى استعداد مسبق لمواجهة حالات الطقس المتطرف.
كما أن وتيرة وشدة التأثيرات المرتبطة بالمناخ كان متوقعاً أن تتزايد بدءاً من عام 2026، في وقت بات فيه الجفاف والإجهاد الحراري يؤثران بالفعل في النظم الغذائية والبنية التحتية الحضرية والقدرة المالية.
ويضع ذلك الحكومة أمام تحديات تتجاوز معالجة انقطاع مؤقت للمياه أو الكهرباء، لتصل إلى ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحولات المناخية.
وتبرز إدارة المياه وشبكات الكهرباء وأنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية المرنة كاستثمارات ضرورية للحد من آثار الأزمات المقبلة، بدلاً من انتظار وقوعها ثم التعامل معها بإجراءات مؤقتة.
وتشير المعطيات إلى أن الاعتماد المتكرر على التدخلات الظرفية لا يؤدي إلى إنهاء الأزمات، بل يزيد من هشاشة الاقتصاد والمجتمع، إذ تتحول كل أزمة جديدة إلى عامل ضغط إضافي فوق أزمات سابقة لم تتم معالجتها بصورة نهائية.
وتكمن المشكلة الأساسية في استمرار نهج رد الفعل بدلاً من التخطيط طويل الأجل، وهو ما يجعل الانتقال من مرحلة الأزمة إلى مرحلة ما بعد الأزمة أمراً نظرياً إلى حد كبير.
وفي ظل استمرار أزمة الغذاء والمياه والكهرباء وتزايد الضغوط المناخية والمالية، تواجه تونس اختباراً حقيقياً لقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات المتلاحقة إلى بناء سياسات قادرة على منع تكرارها.



