أخبار تونسرئيسي

من الاحتجاج إلى السجن.. تصاعد القبضة الأمنية في تونس

يشهد المشهد السياسي في تونس تصاعداً جديداً في وتيرة الملاحقات والضغوط الأمنية ضد النشطاء والمعارضين، بعد توقيف الناشط والمدافع عن حقوق الإنسان سيف الدين العرفاوي على خلفية تدوينة نشرها عبر صفحته الشخصية، تضمنت شعارات رُفعت خلال احتجاجات شهدتها العاصمة تونس في 20 أغسطس/آب الجاري، للمطالبة باستعادة الديمقراطية ووضع حد لما يصفه المحتجون بالحكم الفردي.

وجاء توقيف العرفاوي بعد أيام قليلة من خروج مئات التونسيين إلى شوارع العاصمة في تحرك احتجاجي جمع أطيافاً سياسية ومدنية مختلفة، وسط تزايد الغضب من تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمات الأساسية، بالتوازي مع استمرار الانتقادات الداخلية والدولية لتراجع هامش الحريات السياسية وحرية التعبير في البلاد.

فقد توجهت الأجهزة الأمنية إلى منزل العرفاوي واقتادته إلى فرقة مقاومة الإجرام في منطقة القرجاني بالعاصمة، حيث خضع للاستنطاق قبل أن تأذن النيابة العمومية بالاحتفاظ به لمدة 48 ساعة. وترتبط القضية بمنشور إلكتروني تضمن شعارات سبق أن رددها المحتجون خلال التحرك الأخير.

ويكتسب الاعتقال دلالة سياسية أوسع، في ظل اعتبار النشطاء أن القضية لا تتعلق بمجرد تدوينة على موقع للتواصل الاجتماعي، بل تأتي في سياق متصاعد من الملاحقات التي تطاول المعارضين والنشطاء والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مع اتساع استخدام الملاحقات القضائية كوسيلة للضغط على الأصوات المنتقدة للسلطة.

وأكدت حركة «نفس»، التي قادت الاحتجاج الأخير، أن توقيف العرفاوي يمثل استمراراً لسياسة التضييق على النشطاء وأصحاب الرأي، مطالبة بإطلاق سراحه ووقف الملاحقات المرتبطة بممارسة حرية التعبير أو المشاركة في التحركات المدنية السلمية.

ورأت الحركة أن تحويل الشعارات السياسية والاحتجاج السلمي والنشاط المدني إلى ملفات أمنية وقضائية يمثل محاولة لترهيب التونسيين ودفعهم إلى الانسحاب من المجال العام، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة سياسية واقتصادية متشابكة.

ولم يكن العرفاوي أول شخصية مرتبطة بالحراك تواجه الملاحقة، إذ سبق توقيف الصحافي زياد الهاني في 28 أبريل/نيسان الماضي على خلفية تدوينة نشرها عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، ليصبح توقيف العرفاوي ثاني حالة تطاول شخصية مرتبطة بحراك «نفس».

وتقول الحركة إن هذه التطورات تعكس مناخاً باتت فيه المواقف المعارضة والنشاط المدني والكلمة المنتقدة عرضة للتجريم والملاحقة، معتبرة أن القضية تتجاوز شخص العرفاوي لتطال الحق العام في التعبير والاختلاف والمشاركة في الشأن السياسي والاحتجاج السلمي.

ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط الشعبية على السلطة التونسية، ليس فقط بسبب الملف السياسي، وإنما أيضاً نتيجة تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات المياه والكهرباء ونقص بعض المواد والأدوية، وهي عوامل دفعت شرائح جديدة إلى المشاركة في الاحتجاجات، بما في ذلك مواطنون لم يكونوا جزءاً من المعارضة السياسية التقليدية.

وكانت احتجاجات 20 أغسطس من أبرز التحركات التي شهدتها العاصمة خلال الأسابيع الأخيرة، إذ رفع المشاركون شعارات تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد، واستعادة الديمقراطية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين والنشطاء والصحافيين. كما أعادت الاحتجاجات إلى الشارع بعض الشعارات التي ارتبطت بالثورة التونسية عام 2011، في مؤشر على عمق حالة الاحتقان المتنامية.

ويرى ناشطون في المعارضة أن السلطة تتعامل مع اتساع الحراك باللجوء إلى الأدوات الأمنية والقضائية بدلاً من معالجة أسباب الأزمة السياسية والاجتماعية. ويقول عضو في حراك «نفس» إن توقيف العرفاوي يندرج ضمن محاولة إسكات الأصوات المنتقدة وإرسال رسالة ردع إلى المشاركين في التحركات الشعبية.

وتزداد حساسية هذه التطورات في ضوء التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ يوليو/تموز 2021، عندما اتخذ الرئيس قيس سعيّد سلسلة إجراءات استثنائية شملت إقالة الحكومة وتعليق عمل البرلمان قبل حله لاحقاً، ثم الانتقال إلى نظام سياسي جديد منح الرئاسة صلاحيات واسعة.

ومنذ ذلك الحين، تتهم قوى المعارضة ومنظمات حقوقية السلطة بتقويض المؤسسات الديمقراطية واستهداف استقلال القضاء وملاحقة الخصوم السياسيين، فيما يؤكد سعيّد أن إجراءاته قانونية وتهدف إلى مكافحة الفساد وحماية الدولة.

ويبدو أن الأزمة الحالية تجاوزت الانقسام التقليدي بين السلطة والأحزاب المعارضة، مع دخول تراجع الخدمات العامة وأزمة المياه وانقطاعات الكهرباء وارتفاع كلفة الحياة إلى قلب الاحتجاجات.

فقد شهدت البلاد خلال صيف 2026 موجة غضب واسعة، دفعتها درجات الحرارة المرتفعة والضغوط على البنية التحتية إلى الواجهة، لتتحول الأزمة المعيشية إلى وقود جديد للاحتجاج السياسي.

وفي المقابل، تصر الحركة التي قادت الاحتجاج على أن الاعتقالات والملاحقات لن توقف نشاطها، معتبرة أن سياسة التخويف لن تؤدي إلا إلى زيادة الإصرار على مواصلة الاحتجاج السلمي والمطالبة بالحريات والإصلاح السياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق