احتجاجات تونس تتصاعد.. تعرف على أسباب الغضب الشعبي ضد قيس سعيّد

دخلت تونس مرحلة جديدة من الاحتجاجات الشعبية تزايدت في الذكرى الخامسة لإجراءات الانقلاب التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، في ظل الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية واتساع أزمة الكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة، في وقت تواجه فيه البلاد موجة حر غير مسبوقة تجاوزت فيها درجات الحرارة 50 درجة مئوية.
وتتصدر التظاهرات شعارات تطالب بإسقاط النظام، والربط بين تردي الخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار واتساع حملة الاعتقالات، في مؤشر على انتقال الاحتجاجات من التركيز على المطالب السياسية إلى الجمع بين الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
وتشهد البلاد أزمة متفاقمة في قطاع الكهرباء، دفعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تنفيذ برنامج يومي للقطع الدوري للتيار بهدف تخفيف الضغط على الشبكة الوطنية، التي تواجه طلباً قياسياً نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف خلال موجة الحر.
وأظهرت بيانات الشركة أن الاستهلاك الوطني للكهرباء بلغ مستويات غير مسبوقة وصلت إلى نحو ستة آلاف ميغاواط، بعد تسجيل ذروة سابقة بلغت 5600 ميغاواط.
وقد توسعت الانقطاعات هذا الصيف لتشمل معظم الولايات من شمال البلاد إلى جنوبها ولساعات طويلة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي وحياة السكان اليومية.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع الصحي، حيث دعت المنظمة التونسية للأطباء الشبان إلى توفير مراوح كهربائية وأكياس ثلج لأقسام الاستعجالي في المستشفيات، كما طالبت طلبة كليات الطب ومدارس التمريض بالتطوع لدعم الطواقم الطبية في مواجهة تزايد حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
وأشار رئيس المنظمة وجيه ذكار إلى أن تقديرات أطباء شبان تحدثت عن وفاة ما بين 150 و200 شخص خلال الأيام الأخيرة بسبب موجة الحر، فيما لم تصدر وزارة الصحة التونسية أي حصيلة رسمية بشأن عدد الوفيات أو الإصابات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
وأثارت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي مخاوف واسعة لدى أصحاب المصانع والمتاجر، بعد تعطل خطوط الإنتاج وارتفاع احتمالات تلف المواد الغذائية والسلع التي تحتاج إلى التبريد.
كما أعربت كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية عن قلقها من غياب جدول زمني واضح للانقطاعات، معتبرة أن ذلك يصعب على المؤسسات التخطيط لأنشطتها واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
وتعتمد تونس بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، في وقت تراجع فيه الإنتاج المحلي وارتفعت كلفة الواردات، بينما تواجه شبكة الكهرباء تحديات مرتبطة بتقادم البنية التحتية ونقص أعمال الصيانة، بالتزامن مع زيادة الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف.
كما يزداد الحديث عن الحاجة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير منظومات تخزين الكهرباء لتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية.
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار تداعيات المسار السياسي الذي بدأ في يوليو/تموز 2021، عندما جمّد الرئيس قيس سعيّد عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة ثم أعاد صياغة النظام السياسي عبر دستور جديد أقر عام 2022، وهو ما ترافق مع محاكمات وأحكام بالسجن طالت عدداً من المعارضين والسياسيين والصحافيين والمحامين، إضافة إلى مغادرة شخصيات سياسية البلاد.
وفي المقابل، تفاقمت المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار الضغوط على المالية العامة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وتراجع القدرة الشرائية، وتكرار نقص عدد من السلع الأساسية، إلى جانب ارتفاع الدين العام وتراجع التصنيف الائتماني، بينما استمرت الحكومة في البحث عن مصادر تمويل خارجية لتغطية احتياجاتها المالية.
كما شهدت قطاعات إنتاجية حيوية، من بينها الفوسفات، اضطرابات متكررة أثرت في الإنتاج والصادرات، بالتوازي مع تراجع الاستثمار الأجنبي واستمرار هجرة الكفاءات والشباب إلى الخارج، سواء عبر قنوات الهجرة النظامية أو غير النظامية، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الآفاق الاقتصادية.
وترافقت الأزمة الاقتصادية مع تراجع الخدمات العامة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية، بينما أصبحت انقطاعات الكهرباء والمياه خلال فصل الصيف من الظواهر المتكررة في عدد من المناطق، قبل أن تتوسع هذا العام لتشمل معظم أنحاء البلاد، الأمر الذي أدى إلى زيادة الضغوط على المواطنين والأنشطة التجارية والصناعية.
وخلال الاحتجاجات الأخيرة، برزت المطالب المعيشية باعتبارها المحرك الرئيسي للشارع، مع ربط المحتجين بين أزمة الخدمات الأساسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسات الحكومية خلال السنوات الماضية، في وقت جاءت فيه التظاهرات بالتزامن مع الذكرى الخامسة لتحول المشهد السياسي في البلاد، ما منحها بعداً سياسياً واقتصادياً في آن واحد.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن تونس تواجه تراكماً لأزمات متداخلة تشمل الطاقة والخدمات العامة والاقتصاد والاحتقان السياسي في ظل موجة الحر والضغط على البنية التحتية مع استمرار الاحتجاجات واتساع المطالب المرتبطة بتحسين مستوى المعيشة واستقرار الخدمات الأساسية.



