تونس ميديارئيسي

غزة تعيد السياسة إلى الشارع التونسي وتحيي الاحتجاج والنقاش العام

انتقادات لتقاعس السلطة وتراجع الثقة في حكم قيس سعيّد

أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إحياء النقاش السياسي في تونس بعد سنوات من الركود، وسط تصاعد انتقادات شعبية لأداء السلطات واتهامات للرئيس قيس سعيّد بالاكتفاء بالخطابات الداعمة للفلسطينيين دون اتخاذ خطوات سياسية أو دبلوماسية مؤثرة.

ورصد تقرير لموقع ميدل إيست آي البريطاني، تحولات في المزاج العام داخل مدينة سيدي بوزيد، التي انطلقت منها شرارة الثورة التونسية عام 2010، مشيرًا إلى أن الحرب على غزة كسرت حالة اللامبالاة السياسية التي سادت خلال السنوات الأخيرة، وأعادت المواطنين إلى ساحات الاحتجاج والنقاش العام، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وبحسب التقرير فإن القضية الفلسطينية بالنسبة إلى كثير من التونسيين أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالإحباط المتزايد من الأوضاع الداخلية، وباتت تمثل معيارًا للحكم على أداء السلطة ومدى انسجام خطابها السياسي مع ممارساتها الفعلية.

ونقل التقرير عن عدد من سكان سيدي بوزيد قولهم إن حرب غزة دفعتهم إلى استعادة الاهتمام بالشأن العام بعد سنوات من تراجع المشاركة السياسية، التي أعقبت الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في يوليو/تموز 2021، عندما جمّد عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة ووسع صلاحياته التنفيذية، وهي الخطوات التي وصفتها قوى سياسية ومنظمات حقوقية بأنها تمثل انقلابًا على المسار الديمقراطي، بينما أكد الرئيس حينها أنها جاءت لإنقاذ الدولة.

وأشار التقرير إلى أن نسبة كبيرة من سكان المدينة رحبت في البداية بإجراءات سعيّد، أملاً في إنهاء حالة الشلل السياسي التي عاشتها البلاد، إلا أن استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، أدى إلى تآكل هذا التأييد، مع تراجع الثقة في قدرة النظام السياسي على تحسين الأوضاع المعيشية.

وأوضح أن مدينة سيدي بوزيد، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على الثورة، لا تزال من أكثر المحافظات التونسية فقرًا، في ظل استمرار ضعف الاستثمارات وارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب، الذين بات كثير منهم يعتبر الهجرة الخيار الوحيد للخروج من الأزمة.

ونقل الموقع عن تجار في الأسواق المحلية أن التضخم أجبر المواطنين على تقليص مشترياتهم اليومية، بعدما كانوا يشترون احتياجاتهم لأسبوع كامل، بينما أصبحوا يكتفون بكميات تكفي أيامًا قليلة فقط، في مؤشر على تراجع القدرة الشرائية واتساع الضغوط الاقتصادية.

وفي ظل هذه الظروف، قال التقرير إن اندلاع الحرب على غزة أدى إلى خروج عشرات الآلاف من التونسيين في مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في العاصمة ومدن أخرى، بما فيها سيدي بوزيد، لتصبح تلك التجمعات إحدى المساحات القليلة التي استعاد فيها المواطنون التعبير العلني عن آرائهم السياسية بعد سنوات من الصمت.

وأضاف أن اتساع رقعة الاحتجاجات ترافق مع تصاعد تساؤلات بشأن حدود الدعم الرسمي الذي تقدمه تونس للفلسطينيين، إذ رأى عدد من المواطنين أن المواقف المعلنة لم تُترجم إلى تحركات دبلوماسية أو قانونية مؤثرة على المستوى الدولي.

ونقل التقرير عن مواطنين انتقادهم لما وصفوه بغياب مبادرات تونسية لقيادة تحرك إقليمي أو أفريقي لدعم الفلسطينيين، أو الدفع باتجاه إجراءات قانونية ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية، معتبرين أن دولًا أخرى، وفي مقدمتها جنوب أفريقيا، لعبت دورًا أكثر فاعلية في هذا المجال.

كما أشار التقرير إلى أن الانتقادات لم تقتصر على السياسة الخارجية، بل امتدت إلى تعامل السلطات مع النشطاء المؤيدين لفلسطين داخل تونس، إذ تحدث عن اعتقال عدد من المشاركين في فعاليات تضامنية، بينهم ناشطون مرتبطون بحملة أسطول الصمود العالمي، الأمر الذي أثار اتهامات للحكومة بالسماح فقط بأشكال التضامن التي تتم تحت الإشراف الرسمي.

ونقل الموقع عن الناشط التونسي خليل لحبيبي قوله إن السلطات تبدي “حساسية مفرطة” تجاه أي تحرك جماهيري مستقل، حتى عندما تكون شعاراته متوافقة مع الموقف الرسمي الداعم لفلسطين، معتبرًا أن السلطة تسعى إلى احتكار العمل العام ومنع المبادرات المدنية المستقلة.

وأضاف لحبيبي، وفق التقرير، أن منظمات المجتمع المدني والنشطاء الشباب يُنظر إليهم باعتبارهم منافسين سياسيين محتملين بسبب قدرتهم على التعبئة والتأثير في الرأي العام، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، التضييق على التحركات المستقلة.

كما نقل التقرير عن شبان تونسيين قولهم إن استمرار الاكتفاء بالإدانات السياسية لا يتناسب مع حجم المأساة الإنسانية في غزة، معتبرين أن الحكومة كان بإمكانها، من وجهة نظرهم، تنسيق جهود دبلوماسية أوسع مع دول الجوار أو داخل القارة الأفريقية لدعم القضية الفلسطينية.

ورأى التقرير أن الحرب على غزة نجحت في إعادة فتح المجال أمام نقاشات سياسية كانت شبه غائبة خلال السنوات الماضية، بعدما تحولت القضية الفلسطينية إلى نقطة التقاء بين السخط على الأوضاع الاقتصادية الداخلية والانتقادات الموجهة لأداء السلطة.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن من المبكر الجزم بما إذا كانت هذه التحركات ستقود إلى موجة سياسية جديدة في تونس، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات، إلا أن كثيرًا من سكان سيدي بوزيد الذين تحدثوا إلى ميدل إيست آي أكدوا أن حالة الصمت التي خيمت على المدينة خلال السنوات الماضية قد انتهت، وأن الحرب على غزة أعادت النقاش السياسي إلى الشارع التونسي، حتى وإن ظلت ملامح المرحلة المقبلة غير واضحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق