
عكست الاحتجاجات التي شهدتها تونس في الذكرى الخامسة لانقلاب 25 يوليو/تموز 2021 على انقطاعات الكهرباء والمياه أو موجة الحر التي اجتاحت البلاد، حصيلة سبع سنوات من التراكمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي دفعت قطاعات واسعة من التونسيين لإعادة تقييم مسار الجمهورية منذ وصول الرئيس قيس سعيّد إلى الحكم عام 2019 وتراكم مؤشرات أزمة أعمق تتعلق بأداء الدولة وقدرتها على إدارة الملفات.
وخلال السنوات السبع الماضية، انتقلت تونس من مرحلة كانت تواجه فيها تحديات اقتصادية مزمنة إلى مرحلة أصبحت فيها تلك التحديات أكثر تعقيداً، مع تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة البطالة، إلى جانب ارتفاع الدين العام واستمرار الضغوط على المالية العمومية.
وفي الوقت نفسه، واجهت الحكومات المتعاقبة صعوبة في توفير التمويل اللازم لتغطية النفقات الأساسية، بينما تزايد الاعتماد على الاقتراض الخارجي وسط تعثر المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية بشأن برامج الإصلاح.
وبينما كانت الأزمة الاقتصادية تتعمق، شهد المشهد السياسي تحولاً جذرياً بعد إجراءات يوليو/تموز 2021، التي تضمنت تجميد البرلمان ثم حله، وإعادة صياغة النظام السياسي عبر دستور جديد أُقر عام 2022، في خطوة اعتبرها الرئيس قيس سعيّد تصحيحاً لمسار الدولة، بينما رأت فيها قوى سياسية ومنظمات حقوقية انتقالاً نحو تركيز السلطات في يد مؤسسة الرئاسة.
ومع مرور الوقت، تصاعدت حملة الملاحقات القضائية التي طالت عدداً من السياسيين والمعارضين والصحافيين والمحامين، ما أضاف بعداً سياسياً إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
ولم ينعكس هذا التحول السياسي على المؤشرات الاقتصادية بتحسن ملموس، إذ استمرت معدلات الاستثمار الأجنبي في التراجع، بينما واجهت قطاعات إنتاجية رئيسية، وفي مقدمتها الفوسفات، اضطرابات متكررة أثرت في الإنتاج والصادرات، وهو ما حدّ من قدرة الاقتصاد على توفير العملة الصعبة ودعم النمو.
كما استمرت البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، لتدفع أعداداً متزايدة من الكفاءات إلى الهجرة نحو الخارج، سواء عبر المسارات النظامية أو غير النظامية، بحثاً عن فرص عمل وظروف معيشية أفضل.
وتكشف الاحتجاجات الأخيرة أن الملفات المعيشية أصبحت المحرك الأول للشارع التونسي، بعدما تحولت أزمة الكهرباء إلى نموذج يعكس الضغوط التي تواجهها الدولة في إدارة الخدمات الأساسية.
فقد أدى تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، وارتفاع كلفة الواردات، وتقادم شبكة الكهرباء، إلى تنفيذ برنامج يومي للقطع الدوري للتيار، في وقت تجاوز فيه الطلب على الطاقة مستويات قياسية بسبب موجة الحر، إلى جانب تضرر إمدادات المستشفيات والمصانع والمتاجر لتؤثر في النشاط الاقتصادي والخدمات الصحية وسلاسل الإمداد.
كما ترافقت هذه التطورات مع تراجع مستوى عدد من الخدمات العامة، بما في ذلك الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية، في وقت أصبحت فيه انقطاعات الكهرباء والمياه أكثر تكراراً خلال فصل الصيف، وهو ما عزز شعوراً عاماً بأن المشكلات التي كانت توصف سابقاً بأنها مؤقتة أو موسمية تحولت إلى أزمات هيكلية تتطلب إصلاحات أوسع من المعالجات الطارئة.
ومنذ وصول قيس سعيّد إلى الرئاسة، ارتبط خطابه السياسي بوعود تتعلق بمحاربة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى المعيشة.
غير أن المؤشرات الاقتصادية خلال السنوات اللاحقة أظهرت استمرار الضغوط على الاقتصاد، بينما لم تنجح الحكومات في استعادة مستويات النمو التي تسمح بخلق فرص عمل كافية أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما جعل الفجوة تتسع بين سقف التوقعات الذي رافق تلك الوعود والواقع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن تركيز الجهد الرسمي خلال السنوات الأخيرة انصب بدرجة كبيرة على إدارة الصراع السياسي وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بينما تأخرت الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في المالية العامة والطاقة والاستثمار والإنتاج.
وأدى هذا التداخل بين الأزمة السياسية والضغوط الاقتصادية إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي، بعدما أصبح المواطن يواجه في الوقت نفسه ارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات، وتراجع فرص العمل.
وتحمل الاحتجاجات الأخيرة دلالة مختلفة عن موجات الاحتجاج السابقة، إذ لم تقتصر مطالب المشاركين فيها على الاعتراض على قرارات سياسية أو اقتصادية بعينها، بل عكست تراكماً لحالة من الإحباط تجاه الأوضاع العامة في البلاد.
ولذلك، جاءت الشعارات لتربط بين غلاء المعيشة، وأزمة الخدمات الأساسية، والبطالة، والتحولات السياسية التي شهدتها تونس خلال السنوات الماضية، في إشارة إلى أن جزءاً من الشارع بات ينظر إلى هذه الملفات باعتبارها أزمة واحدة متعددة الأوجه.
وفي ظل استمرار الضغوط المالية وارتفاع كلفة المعيشة، تبدو الاحتجاجات الأخيرة مؤشراً على أن السنوات السبع الماضية أنتجت أزمة اقتصادية وأسست أيضاً لمرحلة جديدة تتداخل فيها المطالب المعيشية مع الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الحكم وإدارة الدولة في تونس.



