رئيسيسياسي

كيف انتقلت تونس من النموذج الديمقراطي الوحيد للربيع العربي إلى حكم الرجل الواحد؟

خمس سنوات على 25 يوليو

قبل الخامس والعشرين من يوليو/تموز 2021، كانت تونس تُقدَّم باعتبارها النموذج الديمقراطي الوحيد الذي نجح في البقاء بعد موجة الربيع العربي.

فقد تمكنت البلاد، رغم الأزمات السياسية والاقتصادية، من إقرار دستور جديد، وتنظيم انتخابات تنافسية، وتداول الحكومات عبر صناديق الاقتراع، بينما تقاسمت القوى الإسلامية والعلمانية السلطة ضمن توازن سياسي معقد حافظ على استمرارية الدولة لأكثر من عقد.

لكن ليلة واحدة كانت كافية لتغيير هذا المسار بصورة جذرية، عندما أعلن الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة وتولي السلطات التنفيذية، في خطوة يعتبرها أنصاره تصحيحًا للمسار، بينما يصفها خصومه بأنها نهاية التجربة الديمقراطية في تونس.

وبحسب تحقيق موسع نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني، فقد جاءت تلك القرارات في ذروة أزمة غير مسبوقة عاشتها البلاد. فقد كانت تونس تواجه واحدة من أسوأ موجات جائحة كورونا مقارنة بعدد السكان، مع انهيار المستشفيات ونقص الأكسجين والأسرة الطبية، في وقت تراجعت فيه المؤشرات الاقتصادية بشكل حاد، وارتفعت البطالة والتضخم، وتعطلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بسبب الخلافات السياسية.

وفي الشارع، خرج آلاف المحتجين في العاصمة وعدد من المحافظات تعبيرًا عن الغضب من الطبقة السياسية التي اتهمها كثيرون بالفشل في تحقيق أهداف ثورة 2011.

ويرى رئيس الوزراء الأسبق هشام المشيشي أن أحد أكبر إخفاقات المرحلة الانتقالية تمثل في عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على إقناع المواطنين بأن الديمقراطية ستنعكس على حياتهم اليومية، معتبرًا أن التركيز على الحريات السياسية لم يترافق مع تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أضعف الثقة بالنظام السياسي وهيأ الأرضية لتقبل إجراءات استثنائية.

في تلك الأثناء، كان الرئيس قيس سعيّد، أستاذ القانون الدستوري السابق الذي وصل إلى الرئاسة عام 2019 بصفته شخصية مستقلة من خارج المنظومة الحزبية، يطرح نفسه باعتباره المدافع عن الدولة في مواجهة ما وصفه بعجز البرلمان والصراعات الحزبية.

ومع تصاعد الأزمة، بدأ يستند بصورة متكررة إلى المادة 80 من الدستور، التي تتيح اتخاذ تدابير استثنائية في حال وجود “خطر داهم”، وهو تفسير أثار جدلًا قانونيًا واسعًا بين مؤيديه ومعارضيه.

ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز عوامل هشاشة النظام السياسي تمثل في عدم إنشاء المحكمة الدستورية التي نص عليها دستور 2014، وهو ما حرم البلاد من مؤسسة مستقلة قادرة على الفصل في النزاعات بين الرئاسة والبرلمان.

واعتبر السفير الأمريكي الأسبق لدى تونس غوردون غراي أن غياب المحكمة الدستورية كان من أكبر أوجه القصور التي مهدت للأزمة السياسية اللاحقة.

وفي مساء 25 يوليو، أعلن سعيّد إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وتولي السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة يعينه بنفسه، مؤكدًا أن قراراته تندرج ضمن صلاحياته الدستورية.

إلا أن المشيشي كشف لاحقًا أنه استُدعي إلى قصر قرطاج قبل الخطاب الرئاسي، وتم منعه من المغادرة، واصفًا ما جرى بأنه احتجاز فعلي لرئيس الحكومة.

كما ينقل التحقيق عن مصادر تونسية وإقليمية قولها إن مصر والإمارات شجعتا التحركات التي أدت إلى إنهاء النظام السياسي الذي نشأ بعد الثورة، مشيرًا إلى اتصالات متعددة أجراها الرئيس الإماراتي محمد بن زايد مع قيس سعيّد خلال يوليو 2021، إضافة إلى تواصل مسؤولين مصريين مع نظرائهم التونسيين في تلك الفترة.

وتنقل المادة عن رئيس الوزراء الأسبق هشام المشيشي والرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي تأكيدهما أن دعمًا إقليميًا ساهم في تثبيت السلطة الجديدة، بينما لم يصدر تعليق رسمي من الدول المذكورة على هذه الاتهامات ضمن المادة.

ويتحدث التحقيق أيضًا عن دور الجزائر، موضحًا أن اتصالات سياسية وأمنية مكثفة جرت بين البلدين خلال تلك المرحلة، بينما اعتبر المشيشي أن القاهرة والجزائر كانتا من أبرز الداعمين للرئيس التونسي بعد الإجراءات الاستثنائية، وهو تقييم يورده التحقيق على لسان مسؤولين وسياسيين سابقين.

وعلى الصعيد الداخلي، فوجئت حركة النهضة، التي كانت أكبر قوة برلمانية آنذاك، بسرعة الأحداث. فقد مُنع رئيس البرلمان راشد الغنوشي وعدد من النواب من دخول المجلس بعد انتشار قوات الجيش أمام المبنى، في مشهد تحول إلى أحد أبرز رموز نهاية المرحلة الديمقراطية التي بدأت بعد ثورة 2011.

كما كشف التحقيق عن وثيقة سُربت قبل أسابيع من تلك الأحداث تضمنت تصورًا لتعليق البرلمان وإقالة الحكومة وفرض قيود على كبار المسؤولين، قبل أن يقر الرئيس لاحقًا بوجود الوثيقة، معتبرًا أنها كانت مجرد مقترح من بين مقترحات عدة.

أما دوليًا، فقد تعاملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بحذر مع التطورات. إذ امتنعت واشنطن عن وصف ما جرى بأنه انقلاب، رغم الضغوط التي مارستها لاحقًا للمطالبة بخارطة طريق تعيد البلاد إلى الحكم الدستوري.

وفضلت الدول الأوروبية التركيز على الاستقرار، في ظل المخاوف من تداعيات أي انهيار سياسي على ملفات الهجرة والأمن في البحر المتوسط، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى اتهامها بتقديم اعتبارات الهجرة على حساب الدفاع عن الديمقراطية.

ومنذ تلك الليلة، توسعت صلاحيات الرئيس بصورة متواصلة، إذ جرى تمديد الإجراءات الاستثنائية، ثم الحكم بالمراسيم، وإعادة صياغة النظام السياسي، بينما تعرض عدد من القضاة والسياسيين والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني للملاحقة أو السجن، وفق ما يورده التحقيق. كما تقلصت صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وتراجعت مساحة المعارضة السياسية بصورة ملحوظة.

اقتصاديًا، لم تحقق السلطة الجديدة التحسن الذي انتظره كثير من التونسيين. فقد تراجع الاستثمار الأجنبي، وتعطلت مفاوضات التمويل الدولية، واستمرت الضغوط المعيشية مع ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع الأساسية وتراجع الخدمات العامة، في وقت يرى فيه مسؤولون سابقون أن الوعود التي رافقت إجراءات يوليو لم تنعكس على الواقع الاقتصادي.

وبعد خمس سنوات، لا يزال الجدل قائمًا حول ما حدث في تلك الليلة؛ فبينما يصر أنصار الرئيس على أنها كانت خطوة ضرورية لإنقاذ الدولة من الشلل السياسي، يعتبرها معارضوه اللحظة التي انتهت فيها التجربة الديمقراطية الوحيدة التي أفرزها الربيع العربي.

وبين هذين الموقفين، تبدو تونس اليوم أمام مشهد سياسي مختلف تمامًا عما عرفته بعد ثورة 2011، وسط استمرار الأسئلة حول مستقبل المؤسسات والحريات وإمكانية استعادة التوازن بين الاستقرار السياسي والمسار الديمقراطي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق