حرياترئيسي

خبراء أممون يحذرون من مخاطر اتساع حملة القمع الحكومية في تونس

تصاعدت التحذيرات الدولية من التدهور المتسارع في أوضاع حقوق الإنسان في تونس، بعد أن دق خبراء بالأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ناقوس الخطر بشأن اتساع حملة القمع التي تستهدف المعارضين والصحفيين والقضاة ومنظمات المجتمع المدني، وسط انتقادات للصمت الدولي الذي يشجع السلطات التونسية على مواصلة سياساتها القمعية.

وجاءت هذه التحذيرات خلال أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، التي اختتمت أعمالها في الثامن من يوليو الجاري، حيث أكد خبراء أمميون وممثلون عن منظمات المجتمع المدني أن تونس تشهد تراجعاً غير مسبوق في منظومة الحقوق والحريات، بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد وأدت إلى تركيز السلطات التنفيذية بيده.

وأكد المشاركون في جلسات المجلس أن المشهد الحقوقي في تونس بات يتسم بتراجع واسع للحريات العامة، في ظل تصاعد الملاحقات القضائية بحق المعارضين السياسيين والصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى التضييق على القضاء المستقل ومنظمات المجتمع المدني.

وأشاروا إلى أن السلطات التونسية كثفت خلال الأشهر الأخيرة استخدام القوانين والإجراءات الإدارية والقضائية لملاحقة الأصوات المنتقدة، وهو ما اعتبروه انعكاساً لتحول متسارع نحو تكريس السلطوية وإغلاق المجال العام.

وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قد دعا الحكومة التونسية في مايو الماضي إلى وضع حد لما وصفه بـ”النمط المتزايد من القمع” الذي يستهدف المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين والقضاة.

وأوضح تورك، في إحاطته أمام مجلس حقوق الإنسان، أن السلطات التونسية تلجأ بصورة متكررة إلى تحريك دعاوى جنائية وفرض قيود إدارية بحق منتقديها، معبراً عن قلقه من استخدام تهم فضفاضة لملاحقة الصحفيين وإسكات وسائل الإعلام المستقلة.

وفي السياق ذاته، انتقدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين ما وصفته بالإجراءات الانتقامية التي استهدفت عدداً من القضاة بسبب مواقفهم الداعمة لاستقلال السلطة القضائية، مشيرة إلى قضية القاضي التونسي أنس الحمادي باعتبارها نموذجاً لهذه الممارسات.

كما أدان خبراء أمميون مستقلون استمرار ملاحقة القضاة والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، معتبرين أن الأحكام والإجراءات القضائية بحقهم تثير مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

وامتدت الانتقادات الأممية إلى ملف المهاجرين، حيث أعربت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري عن قلقها من عمليات الطرد الجماعي لمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى الحدود مع ليبيا والجزائر، في ظروف وصفت بأنها تهدد الحياة، وأدت إلى وقوع وفيات وإصابات بين المرحلين.

وأكدت اللجنة أن هذه الإجراءات تثير مخاوف جدية بشأن احترام تونس لالتزاماتها الدولية المتعلقة بحماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

وفي موازاة المواقف الأممية، وثقت منظمات حقوقية دولية، وفي مقدمتها “هيومن رايتس ووتش”، استمرار الانتهاكات الحقوقية في تونس، مشيرة إلى تدهور أوضاع المهاجرين واللاجئين، وتصاعد الهجمات على استقلال القضاء وحرية التعبير وحرية الصحافة، إلى جانب توسيع حملة التضييق على منظمات المجتمع المدني.

وسلطت المنظمات الضوء على الحكم الصادر بحق رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين، والقاضي بسجنها لمدة 25 عاماً مع فرض غرامة مالية كبيرة، معتبرة أن القضية تعكس اتجاهاً متصاعداً نحو استخدام القضاء في ملاحقة الشخصيات العامة والحقوقية.

وخلال جلسات مجلس حقوق الإنسان، قدمت منظمات المجتمع المدني التونسية شهادات وتقارير حول استمرار الانتهاكات رغم ما وصفته بحالة الخوف من الانتقام، مؤكدة أن مساحة العمل المدني تتقلص بصورة متسارعة مع ازدياد القيود المفروضة على الجمعيات والناشطين.

وبحسب المشاركين، فإن الوفد الحكومي التونسي لم يقدم رداً على جوهر هذه الانتقادات، بل اتخذ موقفاً وصف بالعدائي تجاه المنظمات الحقوقية، ورفض الاتهامات الموجهة إلى السلطات، معتبراً أنها تفتقر إلى المصداقية، وهو ما أثار انتقادات إضافية من ممثلي المجتمع المدني.

وأكدت منظمات حقوقية أن ما جرى داخل مجلس حقوق الإنسان يعكس اتساع القلق الدولي من مستقبل الحقوق والحريات في تونس، في ظل استمرار التضييق على المعارضة ووسائل الإعلام والقضاء المستقل.

وفي ختام المناقشات، شدد خبراء ومنظمات حقوقية على أن التحذيرات لم تعد تقتصر على توصيف الوضع، بل أصبحت تمثل دعوة صريحة إلى المجتمع الدولي للتحرك.

وطالب الخبراء مجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتخلي عن سياسة الصمت واتخاذ موقف واضح يدين الانتهاكات المتواصلة، والضغط على السلطات التونسية لوقف ملاحقة المعارضين، واحترام استقلال القضاء، وضمان حرية العمل المدني والإعلامي، باعتبار أن استمرار التجاهل الدولي قد يشجع على مزيد من التضييق والانتهاكات خلال المرحلة المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق