
أصدرت محكمة الاستئناف في العاصمة التونسية أحكاماً جديدة بالسجن بحق الصحفي زياد الهاني وقياديين في حركة النهضة، في أحدث حلقة من سلسلة الملاحقات القضائية التي تطال صحفيين ومعارضين سياسيين، وسط انتقادات متزايدة من قوى سياسية ومنظمات حقوقية تعتبر أن القضاء بات يُستخدم لتضييق الخناق على الحريات العامة وإسكات الأصوات المنتقدة للسلطة.
وقضت محكمة الاستئناف بتثبيت الحكم الابتدائي الصادر بحق الصحفي زياد الهاني، والقاضي بسجنه لمدة عام، بعد إدانته بتهمة “الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصال” استناداً إلى الفصل 86 من قانون الاتصالات، وهو النص الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة محور انتقادات واسعة بسبب استخدامه المتكرر في ملاحقة الصحفيين والنشطاء وأصحاب الرأي على خلفية تصريحاتهم أو منشوراتهم.
وكان الهاني قد أُوقف وأودع السجن في 26 أبريل/نيسان الماضي بعد نشره تدوينة تناولت قضية ذات طابع أمني، قبل أن تتم إحالته إلى القضاء، في قضية اعتبرها مدافعون عن حرية الصحافة دليلاً جديداً على اتساع دائرة تجريم حرية التعبير في تونس، وتحويل النصوص الجزائية إلى أدوات لمعاقبة الآراء المخالفة بدلاً من حماية الحقوق الدستورية.
وفي القضية ذاتها، أيدت محكمة الاستئناف حكماً بالسجن أربع سنوات بحق وزير العدل الأسبق والقيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري، إلى جانب نائب رئيس الحركة منذر الونيسي، وذلك في الملف المتعلق بوفاة النائب السابق الجيلاني الدبوسي، كما ثبتت الأحكام الصادرة بحق بقية المتهمين في القضية.
وأعلنت حركة النهضة أن هيئة الدفاع انسحبت من جلسة المحاكمة احتجاجاً على ما وصفته بـ”الإخلال الجسيم” بشروط المحاكمة العادلة، مؤكدة أن المحكمة رفضت الاستجابة لطلبات الدفاع، وفي مقدمتها الاستماع إلى الشهود، وهو ما اعتبرته الحركة انتهاكاً لأبسط الضمانات القانونية التي تكفل حق المتهم في الدفاع عن نفسه.
وقالت الحركة إن رفض المحكمة سماع الشهود يثير تساؤلات جدية بشأن سلامة الإجراءات القضائية، ويعزز المخاوف من غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين طرفي الخصومة، في ظل استمرار إصدار أحكام بحق معارضين سياسيين وصحفيين في قضايا تحظى باهتمام واسع داخل تونس وخارجها.
وتأتي هذه الأحكام ضمن سياق أوسع من الملاحقات القضائية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة، واستهدفت شخصيات سياسية وصحفيين ومحامين ونشطاء، في ظل اتهامات متكررة للسلطات باستخدام القضاء كوسيلة لإقصاء الخصوم السياسيين وإضفاء طابع قانوني على إجراءات تستهدف تقليص مساحة المعارضة.
ويرى مراقبون أن المشهد الحقوقي في تونس يشهد تراجعاً متواصلاً منذ سنوات، مع توسع الاعتماد على نصوص قانونية فضفاضة لتجريم التعبير السلمي، وتحويل المحاكم إلى ساحات لمحاكمة أصحاب الرأي بدلاً من أن تكون مؤسسات لحماية الحقوق والحريات وضمان استقلال العدالة.
ويشير المراقبون إلى أن الفصل 86 من قانون الاتصالات أصبح من أكثر النصوص إثارة للجدل، بعدما استخدم في عدد متزايد من القضايا المتعلقة بحرية التعبير، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بإلغائه أو تعديله بما ينسجم مع الدستور التونسي والالتزامات الدولية للبلاد في مجال حماية حرية الرأي والصحافة.
كما تتزايد الانتقادات لاستخدام التوقيفات والسجن الاحتياطي والأحكام المشددة بحق معارضين وصحفيين، باعتبارها وسائل تضغط على المجال العام وتحد من قدرة وسائل الإعلام والفاعلين السياسيين على ممارسة دورهم في الرقابة والنقد.
ويؤكد حقوقيون أن المحاكمة العادلة لا تقتصر على إصدار حكم قضائي، وإنما تقوم على مجموعة من الضمانات الأساسية، من بينها استقلال القضاء، وحق الدفاع في تقديم الأدلة واستدعاء الشهود، وتمكين المتهم من الحصول على محاكمة علنية ومستقلة تتوفر فيها جميع شروط النزاهة.
وتنص المواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حماية حرية الرأي والتعبير، وعدم جواز تقييدها إلا في أضيق الحدود التي يجيزها القانون وبما يتناسب مع الضرورة، كما تشدد على استقلال السلطة القضائية وضمان حق المتهمين في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات الإجرائية.
وتعكس الأحكام الأخيرة استمرار النهج القائم على ملاحقة الأصوات المنتقدة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تراجع المكاسب الديمقراطية التي حققتها تونس عقب ثورة 2011، خاصة في ما يتعلق بحرية الصحافة والتعددية السياسية واستقلال القضاء.
وتؤشر هذه التطورات، بحسب المراقبين، إلى مرحلة تتسع فيها دائرة الملاحقات القضائية ضد الصحفيين والمعارضين، في ظل استمرار استخدام القضاء في ملفات ذات طابع سياسي، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الحريات العامة، ويضع منظومة العدالة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على الحفاظ على استقلالها بعيداً عن التجاذبات السياسية والضغوط التنفيذية.



