
تثير الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط مخاوف متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية في تونس، مع تزايد القلق من تداعياتها المباشرة على أسعار النفط العالمية، وما قد تحمله من ضغوط إضافية على موازنة الدولة التي تعاني أصلاً اختلالات مالية وهيكلية عميقة.
وتراقب الدوائر الاقتصادية التونسية بقلق شديد تطورات الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وسط مخاوف من أن يؤدي توسع الصراع إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، وهو سيناريو قد يضع الاقتصاد التونسي في مواجهة أزمة جديدة.
وتعتمد تونس بشكل كبير على واردات الطاقة لتلبية احتياجاتها المحلية، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي ارتفاع في الأسعار العالمية.
وغالباً ما ينعكس ارتفاع أسعار النفط بشكل مباشر على فاتورة الاستيراد الطاقي، وهو ما يضيف أعباء جديدة على موازنة الدولة التي تعاني أصلاً من ضغوط مالية متراكمة.
وتبدو هذه المخاطر أكثر خطورة بالنظر إلى الفرضيات التي اعتمدتها الحكومة التونسية عند إعداد موازنة عام 2026.
واعتمدت وثيقة قانون المالية للعام الحالي سعراً مرجعياً لبرميل النفط من نوع “برنت” في حدود 63.3 دولاراً، وهو تقدير اعتبره العديد من الخبراء متفائلاً في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
وتشير التوقعات الحالية في الأسواق الدولية إلى إمكانية ارتفاع سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل إذا استمرت الحرب أو توسع نطاقها.
ويعني هذا السيناريو عملياً أن الحسابات التي بنت عليها الحكومة التونسية موازنتها قد تصبح خارج الواقع في وقت قصير.
وسعت الحكومة في موازنة 2026 إلى خفض دعم المحروقات والكهرباء إلى نحو 4.9 مليارات دينار، مقارنة بنحو 5.7 مليارات دينار في العام السابق.
وقدمت الحكومة هذا التراجع في قيمة الدعم على أنه نتيجة لتحسين أداء المؤسسات الطاقية وترشيد الاستهلاك. لكن هذه الحسابات تبدو مهددة بالانهيار إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع نتيجة الحرب.
ويؤكد الخبير المالي آرام بالحاج أن الحرب الإيرانية قد تطيح بخطط تقليص فاتورة الدعم التي بنت عليها الحكومة جزءاً من موازنتها.
ويقول بالحاج إن قيمة الدعم الفعلية قد تتجاوز بكثير المخصصات المقررة في الميزانية إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع.
ويشير إلى أن تطور الحرب في الشرق الأوسط سيكون العامل الحاسم في تحديد حجم التداعيات الاقتصادية على تونس.
ويرسم بالحاج ثلاثة سيناريوهات محتملة لتأثير الحرب على أسعار الطاقة العالمية.
ويقوم السيناريو الأول على احتمال بقاء الضربات العسكرية محدودة زمنياً مع رد إيراني محدود، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع طفيف في أسعار النفط.
أما السيناريو الثاني فيفترض بقاء العمليات العسكرية محدودة زمنياً، لكن مع رد إيراني واسع جغرافياً، ما قد يدفع الأسعار إلى ارتفاع كبير فيما يبقى السيناريو الثالث هو الأخطر بالنسبة للاقتصاد التونسي.
ويتعلق هذا السيناريو بحرب طويلة الأمد مع رد إيراني شامل، وهو وضع قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة جداً.
في هذه الحالة ستجد تونس نفسها أمام صدمة طاقية جديدة يصعب احتواؤها في ظل هشاشة أوضاعها المالية.
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على الموازنة العامة فقط بل يمتد الأثر أيضاً إلى كلفة النقل والإنتاج وأسعار المواد الاستهلاكية ما يعني ارتفاع مستويات التضخم وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر التونسية.
وقد يؤدي هذا الوضع إلى تقويض جهود الحكومة للسيطرة على عجز الموازنة وتقليص الضغوط المالية.
وتعاني تونس أصلاً من آثار الأزمات العالمية السابقة، وخاصة الحرب الروسية الأوكرانية.
وأدت تلك الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما تسبب في اتساع عجز الموازنة وزيادة الحاجة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.
ويقول رئيس غرفة باعثي المؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص إن تصاعد النزاعات الإقليمية يعمّق حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
ويرى حواص أن هذه الأجواء تؤثر سلباً على تدفقات الاستثمار نحو الأسواق الناشئة.
وتعد تونس من أكثر الاقتصادات عرضة لهذه التقلبات بسبب ضعف مواردها المالية ومحدودية هامش المناورة لدى الحكومة.
ويحذر حواص من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يطلق موجة تضخم جديدة في البلاد ما قد يؤدي إلى زيادات كبيرة في أسعار السلع والخدمات، وهو ما سيضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
وتستند هذه المخاوف إلى تقديرات خبراء في مؤسسات مالية دولية حيث تشير تحليلات سابقة لبنك “جيه بي مورغان” إلى أن سعر النفط قد يصل إلى ما بين 120 و130 دولاراً للبرميل إذا توسعت الحرب في الشرق الأوسط.
ويمثل هذا السيناريو كابوساً حقيقياً للاقتصاد التونسي الذي يعاني بالفعل عجزاً طاقياً متزايداً.
وتكشف هذه التطورات مرة أخرى هشاشة النموذج الاقتصادي في تونس، الذي ظل طوال سنوات يعتمد على الاستيراد الطاقي دون تطوير بدائل حقيقية.
ورغم التحذيرات المتكررة من الخبراء، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تنفيذ إصلاحات عميقة في قطاع الطاقة. كما بقي الاستثمار في الطاقات المتجددة محدوداً مقارنة بحجم التحديات.
ويرى بعض الخبراء أن الأزمة الحالية قد تتحول إلى فرصة إذا أحسنت تونس استغلالها فيما يتطلب ذلك تبني سياسات طاقية أكثر جرأة تقوم على تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة لم تظهر حتى الآن مؤشرات جدية على بدء تنفيذها.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو تونس مرة أخرى في موقع المتفرج القلق على تطورات حرب بعيدة جغرافياً لكنها قادرة على إرباك اقتصادها الهش في أي لحظة.



