
أنهت تونس عام 2025 بحصيلة اقتصادية متناقضة: أرقام رسمية تُظهر نمواً نسبياً وتراجعاً في التضخم، مقابل واقع اجتماعي ضاغط يتسم بارتفاع البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، وتصاعد الاحتجاجات العمالية.
وبعد 15 عاماً من الثورة، لم يلمس التونسيون تحسناً فعلياً في أوضاعهم المعيشية، رغم الحديث المتكرر عن التعافي والاستقرار.
وبحسب البيانات الرسمية، سجل الاقتصاد التونسي نمواً قُدّر بنحو 2.5% خلال 2025، مدعوماً بانتعاش قطاعات الزراعة والبناء والسياحة، إضافة إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات المالية.
كما تراجع معدل التضخم إلى نحو 4.9%، مقارنة بذروته القياسية التي تجاوزت 10% في فبراير/شباط 2023. غير أن هذه المؤشرات لم تنعكس على سوق العمل أو مستوى المعيشة، ما جعلها، وفق توصيف خبراء، نمواً رقمياً بلا أثر اجتماعي.
وبقى سوق الشغل الحلقة الأضعف في معادلة التعافي. فقد بلغت نسبة البطالة 15.4% خلال الربع الثالث من 2025، مع استمرار هشاشة التشغيل وارتفاع العمل غير المنظم.
وبلغت بطالة خريجي الجامعات نحو 25%، في مؤشر واضح على فشل الاقتصاد في استيعاب الكفاءات الشابة. وفي المقابل، ظلت الأجور شبه جامدة، فيما واصلت أسعار المواد الأساسية والخدمات ارتفاعها، ما أدى إلى تراجع حاد في الأجور الحقيقية.
ويرى الخبير الاقتصادي آرام بالحاج أن الاقتصاد التونسي شهد تدهوراً هيكلياً خلال السنوات الخمس الماضية، رغم التحسن الظرفي لبعض المؤشرات.
ويؤكد أن من أبرز المكاسب المسجلة في المرحلة الحالية تراجع هيمنة العائلة الحاكمة السابقة على مفاصل الاقتصاد، وعودة بعض الأنشطة، مثل قطاع الفوسفات، إلى مستويات أفضل بفعل تحسن الظروف الدولية.
لكنه يشدد في المقابل على أن الاقتصاد لا يزال تقليدياً، قائماً على تدخل ثقيل للدولة دون نجاعة، وعلى قطاعات ضعيفة القيمة المضافة، وقدرة محدودة على الابتكار.
وقد شكل قطاع السياحة الاستثناء الأبرز في مشهد 2025. فقد تجاوز عدد السياح 11 مليون زائر، في رقم قياسي وصفه المهنيون بأنه تاريخي من حيث عدد الوافدين والإيرادات.
وأعلن البنك المركزي أن الأداء القوي للسياحة وتحويلات التونسيين في الخارج ساعد في تقليص عجز الحساب الجاري. غير أن هذا التحسن بقي محصوراً في المؤشرات الكلية، دون أن ينعكس على توزيع الدخل أو تحسين ظروف العمال في القطاعات الهشة.
وعلى المستوى الاجتماعي، تحولت سنة 2025 إلى عام احتقان بامتياز. المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، يؤكد أن مرصد المنتدى سجل ارتفاعاً في وتيرة الاحتجاجات بأكثر من 80% مقارنة بالعام السابق.
وتركزت التحركات حول مطالب التشغيل، وتسوية الوضعيات المهنية الهشة، وتحسين ظروف العمل، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات البيئية.
ووفق بن عمر، لم يعد الشارع مجرد فضاء للتعبير، بل تحول إلى أداة تفاوض مباشرة في ظل تعطل الحوار الاجتماعي وضعف القنوات الوسيطة.
وكانت الطبقة المتوسطة الأكثر تضرراً من هذا المسار. فبين ارتفاع كلفة المعيشة وجمود الأجور، تراجعت قدرتها على الصمود، ما وسّع دائرة الهشاشة الاجتماعية. وأدى غياب زيادات فعلية في الأجور إلى تعميق الإحساس بأن السياسات الاقتصادية لا تضع البعد الاجتماعي ضمن أولوياتها.
والأزمة لم تتوقف عند حدود الاقتصاد، بل امتدت إلى البنية النقابية. فقد شهد الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة عمالية في البلاد، انقسامات داخلية حادة خلال 2025، انتهت باستقالة أمينه العام نور الدين الطبوبي على خلفية خلافات في الرؤية والإدارة. هذه الأزمة أضعفت دور الاتحاد التفاوضي، وقلّصت قدرته على الدفاع عن مطالب العمال في مواجهة الحكومة.
ويرى مراقبون أن ضعف المركزية النقابية انعكس مباشرة على الحوار الاجتماعي، وأفقد العمال أداة ضغط أساسية في لحظة اقتصادية حرجة، كما أن هذا الفراغ ساهم في انتقال الاحتجاج من طاولة التفاوض إلى الشارع، كما زاد من حدة الإضرابات القطاعية.
وخلال العام، شهدت قطاعات حيوية إضرابات متكررة، من بينها قطاع البنوك الذي شلّ المعاملات المالية ليومين احتجاجاً على تعثر مفاوضات الأجور، إضافة إلى إضراب عام في القطاع الخاص بمحافظة صفاقس، كبرى المحافظات اقتصادياً.
ومع نهاية 2025، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل المضي نحو إضراب عام وطني في 21 يناير/كانون الثاني 2026، في مؤشر على أن التوتر الاجتماعي مرشح للتصاعد.
وبين أرقام النمو وتحسن بعض المؤشرات المالية، وبين واقع البطالة والغلاء والاحتجاجات، يكشف حصاد تونس الاقتصادي في 2025 عن فجوة عميقة بين الأداء الكلي للاقتصاد وحياة المواطنين اليومية.



