
تدخل تونس سنة سياسية جديدة وهي مثقلة بضبابية خانقة وسط دوامة الغموض والفشل السياسي، في ظل مرور قرابة عام على الانتخابات الرئاسية (أكتوبر/تشرين الأول 2024) وست سنوات على وصول قيس سعيد إلى الحكم.
ورغم خطابه المستمر حول “تصحيح المسار” وبناء دولة عادلة، فإن المشهد التونسي يبدو محكوما بالركود، وعاجزا عن إنتاج أي ديناميكية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. ما نراه ليس مجرد أزمة ظرفية، بل أزمة رؤية عميقة وغياب مشروع وطني واضح، يجعل البلاد أسيرة عزلة داخلية وخارجية.
فمنذ 2021، رفع قيس سعيد شعار بناء “دولة اجتماعية” تنصف المهمشين وتنهي التشغيل الهش. لكنه ظل شعارا أكثر منه سياسة فعلية.
إذ أن ملف إنهاء المناولة في القطاع العام أو ترسيم الأساتذة النواب ظل يراوح مكانه، رغم صدور مراسيم رئاسية متكررة.
فإلى منتصف 2025، لم تتم تسوية وضعية أكثر من 2000 أستاذ ومعلم نائب من مجموع 10 آلاف. ومع غياب خطة تمويل واضحة في ميزانية 2025، تحولت هذه الإجراءات إلى مجرد حبر على ورق. أما الزيادات في الأجور والمعاشات فقد تآكل أثرها مع ارتفاع الأسعار والتضخم الذي تجاوز 8%، لتبقى القدرة الشرائية في انحدار مستمر.
النتيجة: هجرة سرية تتسع لتشمل الشباب والكهول وحتى العائلات، بما يعكس اليأس الجماعي من أي أفق كريم داخل البلاد.
دولة بلا تمويل ولا استراتيجية
في ظل عجز مالي يتجاوز 8.5% ومديونية عامة تخطت 90% من الناتج المحلي، تبدو شعارات “العدالة الاجتماعية” بلا سند اقتصادي. مشروع قانون المالية لسنة 2026 أعاد تدوير السياسات نفسها: تقشف، جباية توسعية، وتهميش للاستثمار العمومي.
لا إصلاح جبائي عادل، ولا خطة لتحفيز الإنتاجية أو جذب الاستثمار، ولا رؤية للتحول الرقمي.
وكأن المطلوب من المواطن التونسي أن يتحمل وحده كلفة الأزمة، دون أي التزام حقيقي من الدولة بتحسين حياته اليومية.
الحياة السياسية: صوت واحد يعلو فوق الجميع
سياسيا، تتحرك تونس في فراغ مؤسساتي خطير. البرلمان المنتخب بنسبة مشاركة لم تتجاوز 11% فقد شرعيته، والأحزاب السياسية جرى تفريغها من أدوارها، والمجتمع المدني يتعرض للتضييق، فيما يتركز القرار كله في يد الرئيس.
منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021، تحولت السلطة إلى مشهد أحادي الصوت، حيث يحتكر قيس سعيد التشريع والتعيين والرقابة. لكن المفارقة أن هذا التركيز لم يثمر فعالية، بل عمّق الجمود وألغى أي تداول حر للأفكار أو المسؤوليات.
ومن أبرز ملامح الانحراف السلطوي صدور المرسوم 54، الذي صار أداة رئيسية لتجريم التعبير الحر. أكثر من 60 تتبعا قضائيا طالت صحفيين وناشطين وحتى مواطنين عاديين بسبب تدوينات أو تصريحات انتقدت السلطة.
فقد أصبح الخوف من المتابعة القضائية واقعا يوميا، وأدى إلى خنق الفضاء العمومي، حيث يُمارس التونسيون السياسة في دوائر مغلقة أو عبر التهكم، في حين تتراكم نقمة صامتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
عزلة خارجية وتراجع إقليمي
بينما يشهد الإقليم تحولات كبرى، من الملف الفلسطيني إلى أزمات الساحل والتحالفات الطاقية، تغيب تونس عن الساحة الدولية. علاقاتها مع الشركاء الأوروبيين تشهد برودا واضحا، فيما تفقد تدريجيا مكانتها التقليدية كوسيط عقلاني في المتوسط.
شعار “التحرر الوطني” الذي يرفعه سعيد يزداد تناقضا مع الواقع: البلاد أكثر اعتمادا على القروض الخارجية، الاستثمارات الأجنبية في انحدار، والقطاعات الحيوية متوقفة عن النمو.
والمشهد التونسي اليوم محكوم بخطاب شعبوي يلقي اللوم على “المعارضة الخائنة”، و”الإدارة العاجزة”، و”رجال الأعمال الفاسدين”. لكن هذا الخطاب لم يُترجم إلى برامج إصلاحية أو سياسات إنتاجية.
الثورات الثلاث التي وعد بها قيس سعيد في خطاب القسم 2024 بقيت مجرد شعارات جوفاء. المواطن التونسي لم يلمس منها شيئا سوى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ومزيد من الانغلاق السياسي.
الخطر الأكبر: غياب البوصلة
ما تواجهه تونس ليس فقط أزمة أرقام، بل أزمة اتجاه. لا أحد يعرف إلى أين تقود السلطة البلاد، أو ما هي أولوياتها الفعلية. إدارة الأزمات تتم عبر خطابات متشنجة ومراسيم مرتجلة، بدل رؤية متماسكة أو حوار وطني جامع.
في غياب بوصلة سياسية واقتصادية، تتحول الدولة إلى كيان متآكل من الداخل، يفقد شرعيته تدريجيا، ويعمق شعور المواطنين بالعجز وفقدان الأمل.
والخروج من الأزمة يتطلب تغييرا جذريا في المنهج، لا مجرد تجميل في الخطاب. المطلوب:
استعادة الحوار الوطني الحقيقي كآلية لإدارة الخلافات.
إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني والإعلام الحر.
إطلاق إصلاحات اقتصادية مدروسة بتمويل واضح وأولويات قابلة للتنفيذ.
وضع أجندة وطنية تشاركية تحدد المسارات لعشر سنوات على الأقل.
لكن هذا لن يتحقق في ظل حكم فردي قائم على الانقلاب على المؤسسات، بل يتطلب فضاء ديمقراطيا تعدديا يعترف بالشراكة والمساءلة.



