اقتصادرئيسي

أزمة رواتب القطاع الخاص تفجر غضباً اجتماعياً في تونس وسط فشل حكومي

تشهد تونس تصاعداً في حدة التوتر الاجتماعي على خلفية تعثر المفاوضات بين الحكومة والنقابات العمالية بشأن أزمة رواتب القطاع الخاص الذي يمثل العمود الفقري لسوق العمل في البلاد، ويشغل أكثر من 1.8 مليون تونسي.

ووسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تبدو السلطة عاجزة عن تقديم حلول، ما ينذر بدخول البلاد في موجة احتجاجات قد تشمل إضرابات عامة في عدة قطاعات.

مفاوضات متعثرة وغياب الإرادة الرسمية

رغم مرور أكثر من تسعة أشهر على إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل جاهزيته للدخول في مفاوضات لتعديل الأجور وتحسين ظروف العمل في 55 قطاعاً خاصاً، لا تزال الحكومة، ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية، تتلكأ في دعوة الأطراف المعنية إلى طاولة الحوار.

وكان يفترض أن تفضي المفاوضات إلى توقيع اتفاقيات جديدة بحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي، تمهيداً لصرف الزيادات في الرواتب مع دخول عام 2025، غير أن ذلك لم يتحقق.

وقال الطاهر المزي، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل، إن التأخير الحكومي في إطلاق جولة جديدة من الحوار الاجتماعي فاقم من تدهور أوضاع العاملين في القطاع الخاص.

وأضاف “أبلغنا الجهات الرسمية منذ أشهر باستعدادنا الكامل لتعديل الاتفاقيات المشتركة، لكن لا مؤشرات جدية حتى الآن، رغم استفحال الأزمة المعيشية في البلاد”.

وأكد المزي أن النقابات لا تعتبر الإضرابات هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة ضغط للدفع نحو مفاوضات مسؤولة تفضي إلى حلول ملموسة، مشيراً إلى أن العاملين باتوا على حافة الانهيار الاقتصادي نتيجة التضخم وغلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

انطلاقة احتجاجية من صفاقس

وفي خطوة رمزية، أعلن الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس عن تنظيم إضراب جهوي في القطاع الخاص، احتجاجاً على تجاهل مطالب العمال. وتعد صفاقس العاصمة الاقتصادية لتونس، ويُنظر إليها على أنها قادرة على التأثير في القرار المركزي لمنظمة الأعراف ووزارة الشؤون الاجتماعية.

وترى النقابات أن احتجاجات صفاقس ستكون بداية لتحركات أوسع إذا استمرت الحكومة في تجاهل مطالب تحسين ظروف العمل والتأجير. وقال المزي: “الوضع الاجتماعي ينذر بانفجار، ونحن نحمّل الحكومة مسؤولية كل تأخير أو تسويف في هذا الملف”.

القطاع الخاص: قلب الاقتصاد المأزوم

يمثل القطاع الخاص التونسي أكبر مشغل في البلاد، إذ يوظف نحو ثلاثة أضعاف عدد العاملين في القطاع الحكومي. ووفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بلغ عدد العاملين في القطاع الخاص حوالي 1.87 مليون شخص في عام 2021، مقارنة بنحو 650 ألفاً في القطاع العام.

وتُظهر الأرقام أن القطاع الخاص شهد تطوراً ملحوظاً في خلق فرص العمل خلال السنوات الـ15 الأخيرة، إلا أن أزمة كورونا في عام 2020 وجهت له ضربة موجعة، حيث فقد أكثر من 68 ألف وظيفة في عام واحد فقط.

وقد تعمقت الأزمة خلال السنوات اللاحقة بفعل الانكماش الاقتصادي والسياسات المالية التقشفية التي فرضتها الحكومة تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار تجاهل الأوضاع الاجتماعية في القطاع الخاص ينذر بتراجع الإنتاجية وتدهور مناخ الأعمال، في ظل بيئة سياسية مضطربة وفشل حكومي في تنفيذ إصلاحات هيكلية.

تفاوت جهوي صارخ في توزيع المؤسسات

كما تبرز الأزمة الحالية عمق الفجوة الجهوية في توزيع الشركات، إذ يتركز نحو نصف المؤسسات في شمال شرق البلاد، مقابل نسب ضئيلة في الجنوب والشمال الغربي.

ويفرض هذا التفاوت تحديات إضافية أمام السياسات الحكومية، خاصة في ظل غياب خطط جدية لتنمية المناطق الداخلية وتوفير فرص العمل خارج العاصمة والمناطق الساحلية.

وتوفر الشركات المصدّرة كلياً نحو 37% من فرص العمل في القطاع الخاص، ما يعكس هشاشة السوق المحلية واعتمادها الكبير على الخارج، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات العالمية مثل تقلبات أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

أزمة أعمق من الرواتب

ورغم أن ملف الأجور يتصدر عناوين الأزمة الحالية، إلا أن المفاوضات تشمل أيضاً تعديلات على الاتفاقيات المشتركة بما يتماشى مع تحولات سوق العمل، من حيث التنظيم، ساعات العمل، الحقوق المهنية، وحماية العمال من الفصل التعسفي.

ويرى مراقبون أن ما يحدث في القطاع الخاص يعكس مأزقاً أعمق تمر به الدولة التونسية، حيث تراجعت مؤشرات الثقة في الحكومة، وفشلت السلطة في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية بفعالية، ما أدى إلى تراكم الأزمات، واتساع رقعة الغضب الشعبي.

وفي ظل عجز حكومي واضح عن احتواء الأزمة، وتحذيرات متكررة من انفجار اجتماعي وشيك، تترقب تونس مسار الأيام المقبلة وسط تخوفات من امتداد الاحتجاجات وتفاقم الضغوط على اقتصاد هش، وطبقة عاملة باتت تتآكل قدرتها على الصمود. وبين الإضراب والتحاور، يبقى تحسين أوضاع العاملين في القطاع الخاص اختباراً حاسماً لجدية الدولة في معالجة أزمتها المتراكمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق