سعيّد يتجاهل دعوات تعليق اتفاق الهجرة مع الاتحاد الأوروبي وسط احتجاجات وأرقام مفزعة

يتجاهل رئيس الجمهورية قيس سعيّد مطالبات متجددة من منظمات المجتمع المدني بتعليق اتفاق الهجرة المبرم بين تونس والاتحاد الأوروبي، والتي تهدف إلى الحد من أعداد المهاجرين غير النظاميين ووقف نزيف الضحايا والمفقودين في مياه البحر الأبيض المتوسط.
وجاءت هذه الدعوات خلال وقفة احتجاجية نظمتها جمعيات مدنية وعائلات مهاجرين تونسيين مفقودين، أمام مقر السفارة الإيطالية في العاصمة تونس، حيث عبّر المشاركون عن رفضهم للاتفاقية التي يرون فيها مساهمة في «الإبادة الجماعية الصامتة» للمهاجرين، بعد تقليص الدول الأوروبية دعمها لعمليات الإنقاذ البحري وتعطيل عمل سفن الإغاثة.
وقال عماد السلطاني، رئيس جمعية «الأرض للجميع»، إن المحتجين اختاروا السفارة الإيطالية مكانًا لاحتجاجهم لأنها «المسؤولة الرئيسية عن الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون سواء في أثناء عبور البحر المتوسط أو داخل مراكز التوقيف والاحتجاز على أراضيها».
وأضاف السلطاني: «البحر المتوسط تحول إلى مقبرة جماعية، يشهد أبشع جرائم الإبادة في ظل صمت دول المنطقة. كلما تم التضييق على عمل سفن الإنقاذ، زادت أعداد الغرقى والمفقودين».
وأوضح السلطاني أن أكثر من خمسة آلاف تونسي فُقدوا في البحر منذ عام 2011، من بينهم 501 فقط جرى إحصاؤهم رسميًا من لجنة حكومية توقّف عملها قبل نحو عشر سنوات، ما يترك آلاف العائلات في حالة انتظار وقلق دائمين.
أوروبا تشدد سياساتها
يأتي تصاعد الغضب في تونس على خلفية قرارات أوروبية متتالية بتقليص دعمها للجهود الإنسانية في البحر الأبيض المتوسط.
فقد أعلنت مصادر في وزارة الخارجية الألمانية، مؤخرًا، أن برلين ستتوقف عن تقديم الدعم المالي المخصص لمنظمات الإنقاذ المدني غير الحكومية العاملة في البحر المتوسط وأماكن أخرى، في خطوة تندرج ضمن تشديد سياسة الهجرة الألمانية.
وأشارت المصادر إلى أن الحكومة الألمانية خفضت بالفعل المساعدات المالية الممنوحة لتلك المنظمات إلى 900 ألف يورو في الربع الأول من عام 2025، بعدما كانت قد بلغت مليوني يورو في العام 2024.
وتشمل قائمة المنظمات المتضررة «إس أو إس هيومانيتي»، و«إس أو إس ميديتيرانيه»، و«سي-آي» التي تنشط جميعها في عمليات الإنقاذ البحري.
وقال السلطاني إن أوروبا تتعمد، بالتنسيق مع بعض دول المتوسط، تحويل البحر إلى «مقبرة مفتوحة»، معتبرًا أن «كل إجراء للتضييق على سفن الإنقاذ يقابله ارتفاع حتمي في أعداد الضحايا». وطالب المنظمات المدنية بمواصلة الضغط و«إحراج الدول المنخرطة في سياسات تقتيل المهاجرين».
طريق خطير نحو أوروبا
ويعد البحر الأبيض المتوسط واحدًا من أخطر مسارات الهجرة غير النظامية في العالم، إذ يتخذه المهاجرون طريقًا للوصول إلى أوروبا هربًا من الصراعات والفقر. وتشكل السواحل التونسية والليبية نقطة انطلاق رئيسية لقوارب المهاجرين.
ووفقًا لأحدث بيانات وزارة الداخلية الإيطالية الصادرة في 27 يونيو/ حزيران الماضي، وصل إلى الشواطئ الإيطالية منذ بداية العام الجاري نحو 29 ألفًا و738 مهاجرًا غير نظامي، بينهم خمسة آلاف و146 قاصرًا غير مصحوب بذويه.
ورغم خطورة الطريق، تشير البيانات إلى انخفاض أعداد الوافدين عبر البحر بنسبة 30% مقارنة بالعام الماضي.
ولا يزال الاتحاد الأوروبي يربط التعاون المالي والاقتصادي مع دول شمال إفريقيا، ومنها تونس، بملفات أمن الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهو ما يثير انتقادات حادة من منظمات حقوقية تعتبر أن مثل هذه الاتفاقيات تدفع المهاجرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة، وتتركهم عرضة للموت أو الاختفاء في عرض البحر.
وفي ظل هذه التطورات، يواصل الرئيس قيس سعيّد تجاهل الدعوات لتعليق اتفاقية الهجرة مع الاتحاد الأوروبي، ما يعمق الخلاف بين السلطات التونسية والمجتمع المدني، وسط أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة في البلاد تدفع المزيد من الشباب إلى المجازفة بحياتهم في قوارب الموت.



