تونس ميديارئيسي

قيس سعيّد وتونس: وعود الإصلاح وممارسات الحكم المطلق

لا يكفّ الرئيس التونسي قيس سعيّد عن إطلاق وعود الإصلاح بالحديث عن «ثورة تشريعية» و«ثورة إدارية» لبعث دولة مدنية حديثة، تتأسس على قوانين متقدمة ومرافق عمومية تليق بالمواطن.

لكن الواقع أن كل هذه الشعارات، رغم بريقها النظري، تتبخّر أمام ممارسات سلطة فردية مطلقة، حجّمت البرلمان، وأفرغت المؤسسات، ودفعت البلاد نحو مزيد من الانغلاق والاستبداد، بدلًا من فتح أفق الإصلاح.

منذ 25 يوليو 2021، يوم استأثر سعيّد بالحكم معلنًا تجميد البرلمان وإقالة الحكومة، دخلت تونس منعطفًا خطيرًا. تحوّل النظام السياسي من برلماني معدل إلى رئاسي مفرط الصلاحيات، بدستور صاغه سعيّد على مقاسه.

فالبرلمان الجديد مجرّد هيئة شكلية، صلاحياتها محدودة، فيما الرئيس يحتكر التشريع عمليًا، يقدّم القوانين أو يردّها كيف يشاء، ويصدر المراسيم دون حسيب أو رقيب.

إنجازات جزئية وإخفاقات شاملة

يتغنى قيس سعيّد بمشروعه لإحداث «ثورة تشريعية» تقطع مع القوانين البالية وتكرس العدالة الاجتماعية.

صحيح أنّ بعض التشريعات التي تم تمريرها في عهده، مثل قانون تنظيم عقود الشغل ومنع مناولة اليد العاملة، تمثل مكاسب محدودة، إذ يحدّ من التشغيل الهش ويقر أن العقد غير محدد المدة هو القاعدة، ويمنع تشغيل العمال عبر أطراف ثالثة في المهام الأساسية. وهي خطوة مهمة لحماية الأجراء وتعزيز حقوقهم الاجتماعية.

لكن هذه الإنجازات المحدودة لا تحجب الحقيقة الأكبر: سعيّد انتقائي في تشريعاته، يختار ملفات شعبوية يروج بها لشعبيته، ويتجاهل إصلاحات جوهرية تمس الحريات العامة والفردية.

فلا المجلّة الجزائية التي تعود إلى سنة 1913 طُورت لتنسجم مع المعايير الحقوقية الحديثة، ولا أُلغي المرسوم 50 لسنة 1978 الذي يفتح الباب لرقابة أمنية واسعة على الصحافة والفنون بحجة حالة الطوارئ.

والأخطر هو المرسوم الرئاسي عدد 54 الذي يفرض قيودًا خانقة على حرية التعبير والصحافة، وأسهم في سجن صحفيين ونشطاء ومدونين لمجرد تعبيرهم عن آرائهم. وهكذا، تكشف سياسات سعيّد أن «الثورة التشريعية» التي يرفعها شعارًا ليست إلا أداة دعائية توظف لخدمة مشروعه السلطوي، لا لبناء دولة القانون.

محاصرة الحريات وغياب الرقابة الدستورية

من المفارقات المأساوية أن تونس التي أنجزت دستور 2014، المليء بضمانات الحقوق والحريات والفصل بين السلطات، تجد نفسها اليوم رهينة دستور 2022 الذي يحوّل البرلمان إلى مجرد وظيفة محدودة، بينما يمسك الرئيس بخيوط التشريع والقضاء والتنفيذ معًا.

غياب المحكمة الدستورية يُعدّ أحد أخطر مظاهر الأزمة الحالية. فمن دونها، لا رقابة على دستورية القوانين، ولا حلّ للنزاعات بين السلطات. بقيت المحكمة الدستورية حبرًا على ورق، رغم أنها حجر الزاوية لضمان الشفافية والتوازن بين المؤسسات.

كل هذا يجعل التشريعات الجديدة عرضة للشطط والانتهاك، في ظل غياب جهة تضمن توافقها مع الدستور أو مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.

الإدارة العمومية: الوعود تتبخر في دهاليز البيروقراطية

يردد قيس سعيّد أن «الإدارة بالنسبة للمواطن هي الدولة»، وأنه يجب تطويرها لتصبح تفاعلية وفعالة. لا أحد يختلف على ذلك. الإدارة التونسية تعاني فعلًا من البيروقراطية المفرطة، وتعقيد الإجراءات، وغياب الرقمنة، ما يعطّل مصالح الناس ويقهرهم يوميًا.

لكن مرة أخرى، تظل أقوال سعيّد حبراً على ورق. المؤسسات العمومية ما تزال حبيسة الإجراءات الورقية، والهرمية الجامدة، وانعدام المساءلة الفعلية. المواطن الذي يُهدر وقته في طوابير الإدارات لا يرى أثرًا لـ«الثورة الإدارية» التي يبشر بها الرئيس.

وكثير من المرافق العمومية لم تُرقمن بعد، والمديرون العامون يبقون في مواقعهم سنوات طويلة دون تغيير، فتترسخ ثقافة البيروقراطية والمحسوبية.

الأسوأ أن المواطن الذي يعترض أو يعبّر عن امتعاضه قد يجد نفسه متهمًا بـ«هضم جانب موظف»، وهي تهمة فضفاضة تُستخدم لقمع أي احتجاج على سوء الإدارة.

ثمن الشعبوية والسلطوية

وعد قيس سعيّد الناس بثورات تشريعية وإدارية، لكنه في الواقع يُقصي كل من لا يصفق له، ويعطل مبادرات نيابية مهمة، مثل قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل الذي يتمتع بتأييد شعبي واسع، لكنه لم يجد طريقه إلى البرلمان.

لقد تحولت تونس في عهد سعيّد إلى دولة تُدار بالأوامر الفردية. سُحقت فيها حرية الصحافة، وضُيقت الحريات العامة، وامتلأت السجون بناشطين ومعارضين وصحفيين.

صحيح أنّ تونس عانت، منذ عقود، من ترسانة قوانين متخلفة وإدارة متهالكة، لكن ما يفعله قيس سعيّد اليوم لا يصح وصفه إلا بأنه انقلاب على مكتسبات الانتقال الديمقراطي، وخنق لأحلام التونسيين في دولة مدنية ديمقراطية تحترم الحريات وتصون الكرامة.

المطلوب إصلاح حقيقي لا شعارات جوفاء

لا تنهض الثورة التشريعية أو الإدارية بشخص واحد مهما كانت نواياه. إنها مشروع وطني يتطلب انفتاحًا على كل مكونات المجتمع المدني، وتشريك الخبراء، وفتح باب الحريات، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

ما يريده التونسيون ليس مجرد خطب رنانة ولا قوانين انتقائية تُسنّ لأغراض دعائية. بل يريدون دولة تحترم الدستور، تحمي الحريات، تؤمن بالتعددية، وتبني إدارة تخدمهم لا تُذلهم.

تونس اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما أن تكون دولة قانون ديمقراطية حقًا، أو أن تنزلق إلى استبداد جديد بشعارات ثورية كاذبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق