قيس سعيد يكرس الحكم الفردي والشمولي وسط تراجع مستمر

منذ وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج، اتخذت تونس مسارًا غير مسبوق في تاريخها السياسي المعاصر، مسارًا ينأى عن التعددية والمؤسسات، ويكرس الحكم الفردي والشمولي يقوض مكتسبات الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي الذي بشّرت به تونس للعالم بعد 2011.
فالرئيس سعيد الذي اعتلى السلطة دون حزب، ولا برنامج واضح، يواصل تركيز كل مفاتيح الحكم بيده، في ظل تدهور مستمر على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من الرئيس المستقل إلى مركز الحكم المطلق
قيس سعيّد، الأستاذ الجامعي الذي قدّم نفسه بوصفه شخصية نظيفة اليد، بعيدة عن الطبقة السياسية التقليدية، سرعان ما حوّل هذا “النقاء الظاهري” إلى ذريعة لإقصاء الجميع.
فقد تمكّن من التسلل إلى وجدان قطاعات واسعة من الشعب التونسي الساخطة على أداء الأحزاب، ليحصد تأييدًا كاسحًا في انتخابات 2019 دون ماكينة حزبية. لكنه بدل أن يعمل على إصلاح المشهد من الداخل، شنّ حربًا مفتوحة على الحياة الحزبية برمّتها.
لم تكن حملة سعيّد ضد الأحزاب محصورة في التصريحات، بل أخذت طابعًا عمليًا منذ انقلابه على الدستور في 25 يوليو 2021. فقد جمّد البرلمان ثم حله لاحقًا، وأعاد صياغة الدستور بمفرده، مستفتيًا الشعب على نصٍّ يمنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة، في ظل نسبة مشاركة ضئيلة.
تفكيك مؤسسات الدولة
لم يتوقّف قيس سعيّد عند تجميد البرلمان وتهميش الأحزاب، بل توسّع نحو تقويض كل مؤسسات الرقابة والمساءلة. فقد حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وغيّب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وأضعف دور المحكمة الدستورية والهيئات المستقلة، وعلى رأسها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أصبحت أقرب إلى جهاز تابع للرئاسة بعد تغييرات جوهرية في تركيبتها.
هذا التفكيك الممنهج لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل طاول المنظمات المدنية والنقابات التي أبدت تحفّظًا أو معارضة لمشروع سعيّد. حتى الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي كان شريكًا في الحوار الوطني، تعرض لحملة تشويه وتحريض، وجرى التضييق على أنشطته وقادته بشكل غير مسبوق.
إعلام رسمي يعيد إنتاج صورة “الحاكم الأوحد”
تحوّلت وسائل الإعلام الرسمية في عهد سعيّد إلى منصات ترويج لصورة الزعيم الأوحد. فالنشرات الإخبارية والصحف الحكومية باتت تفتح صدرها لتغطية أنشطته اليومية واجتماعاته البروتوكولية، بينما تغيب أخبار المعارضة أو يتم تشويهها عند الحضور.
والمفارقة أن هذا يحدث بعد عشرية كاملة من الانفتاح الإعلامي والتنوع في الخطاب، ما يضع تونس في مرتبة متراجعة على مؤشرات حرية الصحافة، حسب تقارير “مراسلون بلا حدود”.
أما الإعلام الخاص، فقد وُضع تحت التهديد، عبر سنّ قوانين فضفاضة تتعلق بـ”مكافحة الأخبار الكاذبة” و”الإضرار بالأمن القومي”، وبتوظيف القضاء لاستهداف الصحافيين والمدونين الذين يعبّرون عن رأيهم بحرية.
أزمات اقتصادية تفاقم الانغلاق السياسي
يوازي التراجع السياسي انهيار اقتصادي حاد. فبعد ست سنوات من تولي سعيّد الحكم، تقف تونس على أعتاب الإفلاس.
فقد بلغت نسبة البطالة نحو 15.7%، ثلثها بين خريجي الجامعات، في حين قفزت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني، رغم تحسن الموسم الفلاحي، ما يدل على فشل منظومة التوزيع وغياب التخطيط.
العجز المالي المتزايد والدين الخارجي المتراكم جعل من الدولة رهينة لإملاءات المقرضين الدوليين، في وقت يرفض فيه الرئيس الذهاب نحو اتفاق مع صندوق النقد الدولي إلا وفق شروطه الخاصة. هذا التعنّت يعمّق العزلة المالية لتونس ويعطّل فرص التعافي.
ولم تفلح “الاستشارات الإلكترونية” ولا الدساتير المعلّبة ولا الانتخابات الشكلية في تقديم حلول حقيقية لأزمات البلاد، بل تحوّلت إلى أدوات لشرعنة تركيز السلطة في يد شخص واحد لا يقبل التعدد ولا الشراكة.
القضاء أداة لتصفية الخصوم
من أخطر مظاهر الحكم الفردي في تونس هو تطويع القضاء في تصفية الحسابات السياسية. فقد اعتُقل عدد كبير من قادة المعارضة، خصوصًا من “جبهة الخلاص الوطني” و”حركة النهضة”، إضافة إلى شخصيات مستقلة، وكل ذلك بتهم غامضة مثل “التآمر على أمن الدولة”، أو “التواطؤ مع جهات أجنبية”، دون أدلة قاطعة أو محاكمات عادلة.
وفي المقابل، جرى تجميد نشاط عدد من الجمعيات التي شكّلت صوتًا ناقدًا للحكم، وجرى تضييق الخناق على النقابات، بل وحتى على مواطنين عاديين جهروا بنقد الرئيس عبر وسائل التواصل.
تونس اليوم ليست دكتاتورية صريحة فحسب، بل ديمقراطية مفرغة من أي مضمون. لا برلمان حقيقي، لا أحزاب فاعلة، لا قضاء مستقل، ولا مجتمع مدني حر. إنها أشبه بحالة سياسية مهجّنة، حيث تُستعمل أدوات الديمقراطية لتكريس الحكم الفردي، بينما تُصوّر المعارضة على أنها مؤامرة.
والأسوأ أن هذا يتم في ظل صمت دولي مريب، سواء من جانب شركاء تونس الأوروبيين أو منظمات حقوق الإنسان، الذين يبدون حذرًا في انتقاد سعيّد، إمّا خوفًا من فقدان نفوذهم، أو استنادًا إلى أولويات تتعلق بالهجرة والتعاون الأمني.
وقد دخلت تونس، تحت حكم قيس سعيّد، نفقًا سياسيًا مظلمًا تغيب فيه أبسط مقومات التعدد والمشاركة والمساءلة. ومع غياب أي مؤشرات على رغبة في التراجع أو الإصلاح، فإن الخطر لا يكمن فقط في المسار السلطوي المتسارع، بل في قابلية هذا النموذج للتعميم في بيئات عربية أخرى.
تونس التي كانت توصف يومًا بـ”الاستثناء الديمقراطي”، باتت اليوم نموذجًا محبطًا في العودة إلى الوراء، تحت شعارات زائفة وشعبوية متضخمة، يدفع ثمنها الشعب وحده.



