حرياترئيسي

رصد حقوقي لتصعيد استهداف الحقوق والحريات في تونس

في سابقة تاريخيَّة عاش على وقعها المجتمع التونسي في استهداف للمحامين المدافعين الأساسيين عن الحقوق والحريات، وفي ظل تسارع وتصاعد الانتهاكات المرتكبة من قبل الحكومة التونسيَّة، اقتحمت القوى الأمنيَّة في 11 مايو/أيَّار 2024 دار المحامي (مقر الهيئة الوطنية للمحامين بتونس) لإيقاف المحامية “سنية الدهماني” على إثر تصريحاتها الإعلامية التي انتقدت فيها أداء الحكومة التونسيَّة.

وأبرز المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنه خلال أقل من 72 ساعة، عادت القوى الأمنيَّة في 13 مايو/أيَّار 2024، واقتحمت بيت المحامي “مهدي زقروبة” لإيقافه بطريقة عنيفة، إذ شهر رجال الأمن أسلحتهم دون أي ضرورة عملياتية أو أمنية في وجه المحامين وعائلاتهم.

جاء ذلك بعد تصاعد عمليَّات التتبع العدلية والتوقيفات المتعددة والمتسارعة خلال الأشهر الأخيرة للعديد من الأصوات الناقدة من صحافيين وإعلاميين وناشطين حقوقيين لسياسات الحكومة التونسيَّة الداخلية، خاصَّةً تلك المتعلقة بملف الهجرة غير الشرعيَّة.

تتهم السلطات هؤلاء بـ”تعمّد استخدام شبكات وأنظمة معلومات… بهدف الإضرار بالأمن العام” بموجب المرسوم رقم 54/2022، والذي يهدف إلى “مكافحة المعلومات والشائعات الكاذبة عبر الإنترنت”، ويتضمَّن عقوبات سالبة للحريَّة كالسجن لمدَّة قد تصل إلى خمس سنوات وغرامات ماليّة قد تصل إلى 50 ألف دينار (نحو 16 ألف دولار أمريكي).

وذلك في مخالفة واضحة لالتزام تونس بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة الذي صدّقت عليه في العام 1969، لاسيَّما المادَّة 19 منه التي تكفل الحق في حريَّة الرأي والتعبير بحسب التعليق العام رقم 34 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنيَّة بحقوق الإنسان التي تنص على أنَّهُ لا يجوز استخدام العقوبات السالبة للحريَّة في قضايا الحق في حريَّة الرأي والتعبير.

بسرعة قياسية في الإجراءات التي عادة ما تأخذ مدة طويلة في القضايا العادية، أُحيلت المحامية “سنية الدهماني” إلى التحقيق على خلفية مداخلة في برنامج حواري قالت فيها إنّ “البلاد لا يطيب فيها العيش”، وصدرت بحقها بطاقة جلب حتى قبل استدعائها.

وفي سابقة تاريخية، اقتحمت قوات الأمن دار المحامي دون احترام الإجراءات القانونية الخاصَّة والتي تستوجب بحسب المادَّة 46 من المرسم رقم 79/2011 (الخاص بتنظيم مهنة المحاماة) إعلام رئيس الفرع (أي نقيب المحامين) وحضوره إلى جانب حضور قاضي التحقيق، وقامت باقتياد المحامية الدهماني من داخل مقر دار المحامين من قبل رجال أمن ملثمين، وذلك بعد الاعتداء أيضًا على المحامين والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني المتواجدين هناك.

وكان قاضي التحقيق قد أصدر بطاقة إيداع (مذكرة توقيف) بحق “الدهماني” دون استنطاقها أو حتى سماع محامي الدفاع في مخالفة أخرى للإجراءات القانونيَّة الواجبة وهو ما أدَّى إلى تتبعها والقبض عليها في مخالفة للإجراءات القانونيَّة. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ المادَّة 46 المذكورة آنفاً تنصّ أيضاً على بطلان كافَّة الإجراءات المخالفة لها.

لم ترتكب “الدهماني” أي جرم عندما انتقدت أداء الحكومة في إدارة ملف الهجرة غير الشرعيَّة ورفضت مظاهر العنصريَّة والتحريض على كراهيَّة المهاجرين وطالبي اللجوء الفارّين من الفقر والحروب، بل مارست حقها الطبيعي في حرية الرأي والتعبير، والذي كفله الدستور التونسي في الفصل 37 منه.

الأمر الذي يمنعه أيضاً العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة في مادَّته الـ 26 والتي تنصُّ على أنَّ “الناس جميعا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته.

وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب”.

أي أنَّ الانتقاد الذي قامت به الدهماني ليس إلّا انتقاداً لمخالفة الحكومة التونسية عبر سياستها الخاصَّة بإدارة ملف الهجرة غير الشرعيَّة لالتزامها الدولي بموجب هذه المادَّة.

وقد تصاعدت موجهة الانتهاكات هذه بعد حل المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 13 شباط/فبراير ٢٠٢٢، والتنكيل بالقضاة إن كان لجهة عزل 57 قاضي عن العمل وفقاً لبيانات جمعيَّة القضاة التونسيين.

بالإضافة إلى إٍقرار مراسيم تنتهك ضمانات الحق في المحاكمة العادلة وتضر بالإجراءات القانونيَّة النزيهة والشفافة وذلك بهدف شرعنة قمع المعارضين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

قضيَّة المحامي مهدي زقروبة

حدث الاعتداء العنيف الثاني على دار المحامي مساء يوم 13 مايو/أيَّار 2024، دون احترام للإجراءات القانونية الواجبة أيضاً، من خلال اقتحام المقر بنفس الطريقة، إذ أشهر رجال الأمن سلاحهم واعتدوا على المحامي “مهدي زقروبة” قبل سحله ورميه في سيارة نقل خاصة، رغم أنه ليس محل أي تفتيش أو إجراء قضائي سابق وفقا لبيان الهيئة الوطنية للمحامين بتونس و بيان الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

حطّم أيضًا رجال الأمن زجاج وأثاث القاعة الشرفية لدار المحامي. أعلنت وزارة الداخلية والناطق الرسمي للمحكمة الابتدائية بتونس، أنّ المحامي “زقروبة” محل تتبع قضائي من أجل الاعتداء على أفراد من الأمن، وأنّ حالة التلبس هي ما تبرر عدم احترام الإجراءات العادية، والحال أنّ شروط التلبس كان من الواضح عدم توفرها، وكأنَّ ارتكاب الجرم –وهو ما لم يحدث أصلاً في هذه الحالة– يبرِّر الاعتداء بالضرب المبرح وتكسير مقر نقابة المحامين.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذه الانتهاكات وتبريراتها تخالف أحد مبادئ القانون الجزائي الأساسيَّة التي تفترض قرينة البراءة لكل متهم، علماً أنَّ الاتهامات ضد المحامي “زقروبة” بالاعتداء اللفظي والجسدي ضد أعوان الأمن لا يبرر في أي حال من الأحوال الاعتداءات الجسدية والسحل الذي تعرض له في دار المحامي من طرف الأمنيين.

وبحسب فريق المرصد الأورومتوسطي، كان قد علم زملاء المحامي “زقروبة” أن الفرقة الأمنية المعنيَّة اضطرت إلى إسعافه للمستشفى بعد إيقافه، وهو ما يدل على التعذيب الذي تعرض له، خاصة أنه كان في صحة جيدة، وتعرض للتعذيب منذ اللحظة الأولى لإيقافه، وفقًا لبيان الهيئة الوطنية للمحامين وبيان جمعية المحامين الشبان، علماً أنَّ أعوان الأمن يعتبرون أنه اعتدى على زملائهم وهو ما ولَّد لديهم عداوة شخصية معه.

تبين من تصريحات المحامي “زقروبة” لدى التحقيق في جلسة 15 مايو/أيَّار 2024، أنه أُسعِف بعد التعذيب الذي تعرض له أثناء وبعد الاعتقال لمستشفى “المنجي سليم” بالمرسى في العاصمة التونسيَّة، وأنه لم يحصل هنالك على شهادة طبية (تقرير طبيب شرعي)، رغم أنه ألح على طلبها.

ونُقِل على أثر ذلك إلى مقر الفرقة الثانية المركزية للحرس بالعوينة، المكان الذي تعرّض فيه للتعذيب والمعاملة غير الإنسانيَّة مرَّة أخرى. شمل ذلك – بحسب محامي زقروبة – اعتداء بالعنف الجسدي الشديد على مختلف أنحاء جسده، وهو كان قد أعطى جميع تفاصيله وأسماء بعض الأعوان الذين قاموا بتعذيبه وتعريته، بعد تمزيق ثيابه التي يرتديها أمام التحقيق وإهانته بشتى أنواع السباب والعنف اللفظي.

ورغم معاينة قاضي التحقيق للآثار الظاهرة على جسد المحامي “زقروبة” وثيابه، إلا أنه لم يستجب لطلب الدفاع في عرضه على الطب الشرعي فوراً، وعرض الأمر على النيابة العمومية، لكنها رفضت طلب العرض عن طريق ممثلها، وهو موقف غير معلل ومريب من جانب النيابة العمومية.

إذ كان على ممثلها بعد تلك المعاينات، المبادرة بفتح تحقيق بحادثة التعذيب والمعاملة غير الإنسانيَّة باعتبارها قضيَّة حق عام بحسب القانون التونسي، والنيابة العامَّة يجب أن تسهر على تتبع كل جريمة أو شبهة، وبصفة خاصة في شبهات التعذيب بموجب القانون الوطني والدولي.

لاسيَّما المواد 12 و13 من اتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صدّقت عليها تونس في العام 1988 والتي تستوجب من السلطات المختصَّة في الدولة بالتحقيق بشكل سريع ونزيه عند وجود أسباب معقولة لوجود حالة تعذيب، كما ضمان حق من يتعرَّض للتعذيب في تقديم دعوى يُنظر بها بشكل سريع ونزيه أيضاً على أن تقوم الدولة بحماية مقدِّم الدعوى من أي نوع من أنواع المعاملة السيئة أو التخويف نتيجة الدعوى.

إنَّ عدم احترام هذه النصوص يُبيِّن عدم وجود نيَّة لدى كل من القضاء والنيابة والعامَّة والأجهزة الأمنيَّة لاحترام حقوق المحامي “زقروبة”، لاسيَّما وأنَّ هذه الجهات مجتمعة منعته من توثيق تعرّضه للتعذيب والمعاملة غير الإنسانيَّة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ عدداً كبيراً من المحامين تقدَّم بدعوى للنظر في التعذيب الذي وقع على زقروبة وهي جريمة لا تسقط بمرور الزمن بالرجوع للجنة الدفاع عن المحامي مهدي زقروبة التي أكدت تقديم 1600 محام شكاية من أجل التعذيب.

الحريَّات في تونس، إلى أين؟

لا شك بأنَّ سلوك الحكومة التونسيَّة وأجهزتها الأمنيَّة بالإضافة إلى الجهات القضائيَّة المعنيَّة يُشكِّل صفعةً للحقوق والحريَّات عامَّة في البلاد.

سيَّما وأنَّ موجة الانتهاكات والاعتداءات الأخيرة تستهدف خط الدفاع الأول في الدفاع عن الحقوق والحريَّات المتمثل بالمحامين في مخالفة واضحة وصريحة للضمانات الدستوريَّة والدوليَّة كما القوانين الإجرائيَّة التي تشكِّل أيضاً طبقة إضافيَّة من الحماية تطبيقاً لهذه الضمانات.

استهداف المحامين في تونس رسالة واضحة من الجهات الرسميَّة التونسيَّة للمجتمع التونسي بأنَّهُ لا مجال للتمتع بحقوق الإنسان الأساسيَّة والمدافعة عن حقوق الآخرين، في ظل سياسة رسميَّة ممنهجة لقمع أي صوت مخالف يُعكر صفو عمل الحكومة بعيداً عن أي مساءلة أو محاسبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق