رئيسيسياسي

جردة حساب لعام من تشكيل برلمان موالاة في تونس

تظهر جردة حساب لعام من تشكيل برلمان موالاة في تونس توغل رئيس الجمهورية قيس سعيد في إنتاج منظومة ديكتاتورية قمعية تقوم على الاستحواذ الكامل على السلطة.

فالبرلمان الحالي أنتجته منظومة 25 يوليو (2021) بقيادة قيس سعيد، الذي حل المجلس النيابي المُنتخب السابق، وألغى دستور 2014، ووضع دستوراً جديداً بُنِيَ على نقض الحكم البرلماني وتأسيس نظام رئاسي مطلق.

كما عدل القانون الانتخابي على طريقته، واستبدل الاقتراع على القائمات بنظام الاقتراع على الأفراد، وأمر بتنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في دورتين (2023/ 2022)، قاطعها جل الأحزاب المُعارِضة الوازنة.

ولم تتجاوز نسبة مشاركة الناخبين في الانتخابات المذكورة حدود 11.4%، وأفضت إلى صعود وجوه برلمانية معظمها جديدة، وَعَدَتْ، رغم محدودية صلاحياتها وحاضنتها الشعبية، التونسيين بغدٍ أفضل.

وقال الباحث والكاتب أنور الجمعاوي إن البرلمان الحالي يتسم بسِمة التجانس، من جهة ولاء أعضائه للرئيس قيس سعيد، وتسليمهم بشرعية مسار 25 يوليو (2021) ومُخرجاته.

ويغلب على البرلمان اللون الواحد، على خلاف الغرف النيابية بعد الثورة، التي تميزت بتعدديةٍ حزبيةٍ ظاهرة، آثرت التداول والنقاش بشأن مشاريع القوانين وقضايا الشأن العام، رغم ما تخللها من خلافات أيديولوجية حادة. وتكونت من كتلٍ برلمانية مؤيدة لرئيس الجمهورية، وأخرى معارضة له.

فيما يبدو البرلمان الجديد منسجماً عموماً مع المنظومة الرئاسية والحكومية السائدة. وقد عقد، منذ تركيزه في الـ 13 من مارس/ آذار من العام 2023، ما لا يقل عن 76 جلسة عامة، وعشرات الاجتماعات داخل اللجان التمثيلية القارة.

وبحسب عمل إحصائي مفصل، نشره موقع الكتيبة، فإن نسبة حضور النواب في 44 جلسة عامة تقدر بـ 91%، وهو حضور مُكثف ومُستقر.

غير أن هذين الاستقرار والحضور شبه الدائم لأغلبية النواب لا يعنيان كثافة منجزهم التشريعي.

فخلال سنة كاملة عُرِضَ 83 مشروعَ قانونٍ على المجلس النيابي لم يُصادَق سوى على 36 منها. وبحسب منظمة “أنا يقظ”، فإن 59% من مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان اقترحها رئيس الجمهورية، فيما تُقدر مقترحات النواب بـ 41% من مجموع مشاريع القوانين المقترحة على المجلس النيابي.

وكل مشاريع القوانين، التي حظيت بتصديق مجلس نواب الشعب عليها، وردت بمبادرة من رئاسة الجمهورية، فيما ظلت 25 مبادرة تشريعية تقدم بها نواب على هامش اهتمامات البرلمان.

ولم تنظر اللجان النيابية سوى في أربعة مشاريع منها، ولم يُحَل أي مشروع قانون اقترحه النواب إلى الجلسة العامة، باستثناء مشروع تجريم التطبيع مع إسرائيل، الذي اقترحته كتلة الخط الوطني السيادي.

وتم التصديق على فصلين منه فحسب، وعُلق النقاش بشأنه بسبب تحفظات كل من رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية، بحسب تقارير متواترة.

واللافت أن مكتب المجلس النيابي أرجأ النظر في ست مبادرات تشريعية أو رفض إحالتها على اللجان المتخصصة.

والحال أنها موقعة من أربعين نائباً على الأقل. ومن بين تلك المبادرات، واحدة تتعلق بإحداث المحكمة الدستورية، التي يُفترَض أن تلعب دوراً مُهماً في فض مسائل النزاع على الصلاحيات، وضمان شفافية المسار الانتخابي، وتأمين التوازن بيْن السلطات، وفرض رقابة على أدائها.

ومبادرة أخرى تتعلق بتعديل المرسوم الرئاسي عدد 54، الذي فرض قيوداً صارمةً على حرية التعبير، وأفضى اعتماده إلى إيداع عددٍ معتبرٍ من السياسيين، والمدونين، والإعلاميين، في أقبية السجون، على خلفية معارضتهم سياسات المنظومة الحاكمة، بحسب تقارير منظمات حقوقية.

ويُرجح مراقبون أن عدم تمرير مكتب المجلس المبادرتيْن المذكورتيْن، مرده إلى مهادنة رئيس البرلمان، إبراهيم بودربالة، السلطةَ التنفيذية، وميله إلى تزكية التوجهات الرئاسية والحكومية، بدلاً من الاعتراض عليها.

وأدى تهميش دور النواب في سَن القوانين وتعديلها، في مقابل القبول بكل المقترحات التشريعية الرئاسية، باستثناء مبادرة تتعلق بإحداث صندوق التنمية القطري، إلى مركزة سلطة التشريع بيد رئيس الجمهورية.

والناظر في محامل التشاريع المصادق عليها، يتبين أن جلها يتعلق بتمرير اتفاقيات قروض وهبات وبروتوكولات تعاون مع دول شقيقة.

وقد صودق عليها بطريقة آلية وسريعة، ولم تخضع لتداول واسع بين النواب باعتبارها صادرة عن رئيس الجمهورية، وتتكون من فصل يتيم أو اثنين، وتتعلق بتأمين موارد مالية خارجية لسد عجز الموازنة العامة.

كما صدق النواب الجدد على القانون عدد 22 لسنة 2024، المتصل بإقرار البطاقة البيومترية بديلاً عن بطاقة التعريف الوطنية. كما جرى تعديل القانون المُتعلق بجواز السفر ووثائق السفر، وإقرار جواز السفر البيومتري، وهي تعديلات مهمة، طال انتظارها، وتساهم عملياً في رقمنة الإدارة، وتوفير خدمات القُرب لعموم المواطنين.

أما بشأن الأداء الرقابي للمجلس النيابي، خلال السنة الأولى من أعماله، فقد وجه نوابٌ، بحسب ما ورد في الموقع الرسمي للبرلمان التونسي، 748 سؤالاً كتابياً إلى أعضاء الحكومة، من بينها 24 سؤالاً لم يتلق أصحابها، بعدُ، إجابات من الوزارات المعنية، رغم مُضي أشهر من تاريخ توجيهها.

وجل الأسئلة الموجهة إلى الفريق الحكومي تعلق بطلب النفاذ إلى معلومة أو المطالبة بتحسين البنية التحتية أو التبليغ عن شُبهات فساد.

ولم يعقد البرلمان سوى جلستي حوارٍ، فقط، مع كل من وزير الشباب والرياضة ووزيرة التجهيز والإسكان، في جلستين عامتين خلال شهر يوليو/ تموز 2023.

فيما وجه النواب دعوة رسمية إلى رئيسة الحكومة السابقة نجلاء بودن إلى التحاور معها بشأن معضلة الهجرة غير النظامية من تونس وإليها. لكنها لم تستجب لتلك الدعوة.

كما لم يبادر المجلس النيابي إلى إعادة النظر في 122 مرسوماً من المراسيم الرئاسية التي صدرت خلال مرحلة إدارة البلاد بالتدابير الاستثنائية (18 شهراً).

وذلك باستثناء مرسوم “الصلح الجزائي وتوظيف عائداته”، الذي بادر رئيس الجمهورية إلى تعديله وعرضه في صيغة مشروعِ قانونٍ فصادق عليه البرلمان بأغلبية معززة، ودل ذلك على قصور في الأداء الرقابي للمجلس النيابي، بل على عطالة برلمانية غير مُعلَنة، وتبعية مطلقة للسلطة التنفيذية، بحسب مراقبين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق