أخبار تونسرئيسي

دلالات التعديل الوزاري الأخير وأزمة قيس سعيد المتصاعدة

قرر الرئيس قيس سعيد القيام بتعديل حكومي وصف بالجزئي، ورغم أن التعديل لم يكن واسعا، إلا أنه فاجأ الأوساط السياسية؛ نظرا لما يحمل في طياته من دلالات وتداعيات محتملة.

فالوزيران اللذان تمت إقالتهما، يعدّان من أهم الفاعلين المقربين من الرئيس قيس سعيد، والمدافعين بشراسة عن مسار 25 تموز/ يوليو؛ الذي بمقتضاه حدث تحول جذري في البلاد.

إذ أن وزير الداخلية السابق كمال الفقي، يعد بحكم تاريخه من الكوادر اليسارية التي ساندت سعيد قبل انتخابه وبعده، وقد تولى الوزارة في سياق سياسي صعب، بحسب الكاتب صلاح الدين الجورشي.

أما مالك الزاهي الذي يحمل حقيبة وزارة الشؤون الاجتماعية، والذي كثر الحديث عنه بحكم ماضيه النقابي وصراعه غير العلني مع وزير الداخلية الأسبق توفيق شرف الدين، فقد أدى دورا مهما في “ترويض” الاتحاد العام التونسي للشغل الذي حافظ على هدوئه، رغم اعتقال عدد من كوادره خلال الفترة الماضية.

فالرجلان يعدّان من بين الأركان التي تم الاعتماد عليها لتثبيت حكم الرئيس سعيد، وبناء عليه، يعدّ ما حصل تعديلا سياسيا يختلف عن التحويرات الفنية السابقة، فالحزام حول الرئيس يضيق تدريجيا.

يتنزل هذا التعديل الوزاري في سياق أزمة سياسية خانقة، لقد شهدت الأشهر والأسابيع الأخيرة أحداثا غير عادية، تمثلت بالخصوص في مواجهة غير مسبوقة بين الجهات الأمنية والمحامين.

فاقتحام دار المحامين في مناسبتين متتاليتين بطريقة خشنة وإيقاف محاميين، وما نتج عن ذلك من تكسير وعنف واتهام بـ”ممارسة التعذيب” على المحامي مهدي زغروبة، هي تهمة خطيرة لا يزال الجدل متواصلا لإثباتها والتأكد من صحتها.

من جهة أخرى، صعّدت السلطة ضد الصحفيين والمدونين، حيث تم تنفيذ المرسوم 54 الشهير والحكم بسنة على اثنين منهم، بشكل اعتبره الحقوقيون إجراء تعسفيا خطيرا.

وترتب عن ذلك تنظيم حملة مساندة واسعة في داخل تونس وخارجها، وهو ما عدّه الرئيس سعيد تدخلا عير مقبول في الشؤون الداخلية للبلاد.

وبذلك عادت الأجواء السابقة للجعل من تونس مرة أخرى محل اتهام بعدم احترام حرية الصحافة وحقوق الإنسان.

يتساءل البعض: هل هناك علاقة بين تغيير وزير الداخلية والانتهاكات التي حدثت خلال الفترة الأخيرة؟ يصعب الجزم بذلك. فرئيس الدولة حريص على حماية أصدقائه ورفاقه، لهذا سارع في نفي حصول انتهاكات سواء في العلاقة مع المحامين أو الصحفيين، وعدّ أن السلطة احترمت القانون فيما أقدمت عليه.

ومن ثم يُستبعد أن يقدم قيس سعيد على تغيير سياسته في مجال الحريات على الأقل في وقت قريب، فلم يعرف عنه حتى الآن استعداده للتراجع وتعديل السرعة وانتهاج أسلوب المناورة والتكتيك السياسي.

مع ذلك، هناك محطة سياسية قادمة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي الانتخابات الرئاسية التي ستنظم قبل نهاية السنة الجارية.

ولا شك في أن قيس سعيد معني بدرجة مهمة بهذا الحدث، الذي سيشغل الرأي العام بعد الصيف مباشرة، ورغم أنه لم يعلن عن نيته في الترشح لدورة ثانية، لكن معظم المؤشرات تدل على وجود هذه الرغبة.

وما يحصل للمعارضين بمختلف ألوانهم وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية دليل على ذلك، كما أن “ملفات الفساد” وغيرها التي يواجه بها كل من ينوي الترشح ويستند على قاعدة حزبية أو شعبية، مؤشر آخر على وجود رغبة في توفير الشروط التي من شأنها تسمح بتنظيم انتخابات لا تهدد موازين القوى السائدة.

في هذا السياق، سيكون قيس سعيد، كغيره ممن سيكتب له الترشح، مطالبا بتقديم حصيلة الإنجازات التي تحققت خلال عهدته السابقة، وذلك على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وهو يعلم جيدا أن هذه المسألة ستشكل المجال المفضل لدى خصومه الذين يتهمونه بالقول؛ إن المحصلة ضعيفة أو كما يقولون صفرية، لهذا جاء اهتمام رئيس الدولة في الفترة الأخيرة بتحريك بعض المشاريع القديمة، التي توقفت بعد الثورة ولم يتم البحث عن أسباب تعثرها.

مثال على ذلك؛ مشروع “سما دبي” المعطل منذ التسعينيات، الذي يعدّ من المشاريع الكبرى التي تم الاتفاق حولها مع دولة الإمارات قبل أن تتوقف المفاوضات، ويتعلق المشروع ببناء مدينة بجنوب العاصمة متنوعة الخدمات تسع لحوالي ربع مليون ساكن.

كما أن المطلوب أيضا من الرئيس سعيد، تحسين المناخ السياسي الذي ستجري فيه الانتخابات، وهو ما يقتضي التخفيف من القبضة الحديدية، ومعالجة ملف السجناء السياسيين ومساجين الرأي عموما. فهل هناك أمل في تحقيق ذلك ولو بشكل جزئي، أم إن الأوضاع ستواصل سيرها في طريق مسدود؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق