اقتصادرئيسي

أزمة مالية طاحنة في تونس تغرقها في دوامة الانهيار الاقتصادي

تعيش تونس منذ العام 2011 أزمة مالية طاحنة قد تغرقها في دوامة الانهيار الاقتصادي بعد أن تدفّقت القروض والمساعدات الخارجية إلى البلاد بعد الانتفاضة الشعبية في فترة 2010-2011 لدعم عملية التحوّل الديمقراطي، بيد أن هذا التمويل أدّى إلى طفرة استهلاكية غير مستدامة.

وبحسب تحليل نشره مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، فإن ما يزيد الأمور سوءًا أن القدرة الإنتاجية للبلاد بدأت تتراجع بفعل غياب الاستقرار السياسي وانعدام توازن الاقتصاد الكلّي، فازدادت إمكانية حدوث انهيار مالي خطير. لذا، لا بدّ من إجراء إصلاحات ضرورية لإبعاد شبح الأزمة.

وأكد التحليل أنه يجب أن يكون النظام السياسي التونسي قادرًا على تفادي مثل هذه النتائج الكارثية. في غضون ذلك، يسود توافقٌ في أوساط معظم الخبراء على أن المخاطر تزداد يومًا بعد يوم، وينبغي اتّخاذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لها.

لكن الآراء تتباين بشأن نطاق وتوقيت ونوع البرنامج المطلوب تنفيذه لمعالجة مشاكل البلاد. فتطبيق تدابير إصلاحية قاسية قد يؤدّي إلى اندلاع أزمة اجتماعية سياسية، في حين أن عدم تنفيذ الإصلاحات سيفضي على الأرجح إلى حدوث انهيار اقتصادي في المستقبل.

ويبدو أن الخيار الأسهل سياسيًا هو المماطلة وكسب الوقت، لكن جُلّ ما يفعله هذا المسار هو تأجيل الأزمة، ما يُنذِر بتفجُّر الأوضاع بشكلٍ أكبر.

ويكمن التحدّي في فتح كوّةٍ للخروج من نفق الأزمة المظلم، من خلال تعزيز الثقة في مشروع وطني يُعدّ مقبولًا سياسيًا ويستطيع النهوض بالبلاد نحو مستقبلٍ واعد.

ففي ظل هذه التوجهات السلبية الناجمة عن الممارسات غير المستدامة والركود الاقتصادي، قد لا يَعمَد الفاعلون الاقتصاديّون إلى التكيّف مع الوضع الطبيعي الجديد فحسب، بل يُحتمَل أن يُحاولوا أيضًا نقل الأعباء إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد، وبالتالي إلحاق أضرارٍ أكبر.

يجدر النظر إلى المجتمع، وما يضمّه من مؤسسات ومنظمات، على أنه أشبه بنظام هيدروليكي. فكلّما ازداد الضغط، أصبحت الأجزاء الأضعف من الشبكة في دائرة الخطر.

فتوجيه الضغط من جانب معيّن، بدلًا من التعامل مع جذور المشكلة، يزيد الضغط الممارَس على الجوانب الأخرى.

وفي نهاية المطاف، سوف يتسرّب الضغط المتراكِم من النقاط الأضعف في النظام. بشكلٍ عام، لا يتبع التدهور خطًّا مستقيمًا، بل يتراكم الضغط بطرق خفيّة إلى حين تفجُّر النظام واندلاع أزمة شاملة.

قد يحدث ذلك بطرقٍ عدّة: فإمّا تُستخدَم احتياطيات الدولة من العملات الأجنبية تدريجيًا، إلى حين حدوث تهافت على سحب الودائع، ما يؤدّي إلى انهيار قيمة العملة الوطنية؛ أو يُستنزَف القطاع الخاص نتيجة الإجراءات الرامية إلى تغطية خسائر الدولة المالية.

وهو ما يقلّص الاستثمارات، ويفضي إلى تراجع النمو الاقتصادي؛ أو تُرفَع الضرائب أو تُقلَّص الخدمات العامة، أو يُطبَّق هذان التدبيران بالتوازي، ما يطلق شرارة الاضطرابات الاجتماعية.

أو تُموَّل العجوزات المالية بقروض جديدة (أو بتراكم المتأخرات)، إلى أن يتوقّف الدائنون عن الإقراض، فتصبح طباعة النقود الحلّ الوحيد، ما يُدخل البلاد في دوّامة من التضخم المفرط؛ أو تستمرّ المصارف في إقراض الدولة إلى أن يفقد المودِعون ثقتهم بالقطاع المصرفي ويتهافتون إلى سحب ودائعهم من المصارف.

وستقف البلاد أمام مهمّة إعادة بناء ما هُدم من الصفر، مقابل أثمان باهظة.

في هذا السياق بالذات تنطلق أعمال مختبر الاستدامة في تونس، التابع لكارنيغي، والذي ينطوي على هدفَين رئيسَين: أولًا، سيسعى المختبر إلى رصد المخاطر الاقتصادية المُحدقة، من خلال إعداد مراجعة دورية لقياس أداء تونس في القطاعات الاقتصادية والمالية والضريبية والسياسية والاجتماعية.

وثانيًا، سيتابع المختبر المقترحات التي تقدّمها الجهات الوطنية والخارجية حول المسارات المُحتملة لتحقيق التقدّم، وسيحلّل هذه المبادرات ويصدر تقارير بشأنها سعيًا إلى تجنّب أسوأها. حتى الآن، قوبِلت اقتراحات عدّة قدّمها صندوق النقد الدولي برفض السلطات التونسية.

وثمة مقترحات بديلة، قدّمت نبذة عن بعضٍ منها أطراف فاعلة في المجتمع المدني، لكنها لم تتحوّل بعد إلى واقع ملموس.

لذلك، ومن أجل دعم الحوار الاجتماعي، سنسلّط الضوء على مبادرات متنوعة ونحاول تقييم أثرها، لنطرح في ما بعد سيناريوهات عدّة تعرض توجهات الاقتصاد الكلّي، سنعمل على تحديثها مع الوقت.

أداء تونس الاقتصادي في العام 2023

تشهد تونس معضلةً حقيقية نتيجة المشاكل المالية والاقتصادية المتراكمة التي تتخبّط فيها. فالاعتماد على التدابير التقشفية حصرًا يهدّد بإشعال فتيل أزمة اجتماعية، نظرًا إلى أن الأوضاع الاقتصادية والمالية صعبة للغاية أساسًا.

لكنّ عجز تونس عن إبرام اتفاقٍ مقبول مع صندوق النقد الدولي لمعالجة مكامن الضعف الهيكلية واستعادة ثقة المستثمرين، يضع البلاد على شفا أزمة مالية.

بحلول العام 2023، تعثّرت عملية النمو في تونس، ما فاقم الأداء الاقتصادي المتردّي الذي تسجّله البلاد منذ فترة طويلة.

وهكذا، غرقت تونس في ركودٍ اقتصادي مُقلِق تزامن مع ارتفاع معدّلات التضخم. وعلى الرغم من قدرة السكان على الصمود والتكيّف، يبقى أن الضغوط الاجتماعية آخذةٌ في الازدياد.

وقد قوّضت الاختلالات الكبيرة في المالية العامة قدرة الحكومة على التصرّف. وقد يتدهور الوضع المالي في تونس بشكل إضافي نتيجة تراكم المتأخرات وتنامي عبء الديون المضمونة من الحكومة.

تراجع اعتماد تونس على التمويل الخارجي بشكلٍ مطّرد نظرًا إلى غياب أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وأدّى ارتفاع وتيرة الاقتراض المحلّي إلى مزاحمة القطاع الخاص، ما فاقم الركود الاقتصادي.

تكمن مدعاة القلق الكبرى في ظل الركود الذي يخيّم على تونس في التهديدات المُحدِقة بالدعائم الأساسية للاقتصاد التونسي، التي قد تقوّض آفاق النمو في البلاد على المدى الطويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق