رئيسيسياسي

تحذيرات من تحول الانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس لفرض الأمر الواقع

يحذر مراقبون من أن تتحوّل الانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس إلى فرض سياسة الأمر الواقع، وتثبيت الوضع القائم بقوة الأجهزة الأمنية بزعامة رئيس الجمهورية قيس سعيد.

في الوقت نفسه ينبه المراقبون إلى مخاطر سيناريو أن يتم دفع الأمور نحو بدائل أكثر سوءاً على نحو ما تدبر بعض قوى داخلية وخارجية، أي المجيء بشخصية من داخل المنظومة أكثر بؤساً من سعيّد نفسه، وهذا هو مدار المعركة في الأشهر المقبلة.

ومن المقرر إجراء انتخابات رئاسية أواخر هذه السنة، وفق مقتضيات دستور 2014 الذي ألغاه قيس سعيّد بعدما اتّكأ على فصله الثمانين لتسويغ الانقلاب وحل المؤسّسات.

ولا يستبعد أن تكون هناك ضغوط خارجية وأخرى داخلية من الأجهزة نفسها قد فرضت على سعيد فرضا إعلان الالتزام بتنظيم الانتخابات نهاية عهدته، وإنْ كان رئيس الجمهورية لم يفصح بعد عن تحديد تاريخها بالدقة، ليترك لنفسه هامش المناورة الزمنية.

ولا يستبعد أن يقدِم على تقديم موعدها ليفاجئ الساحة السياسية، ولا يعطي القوى المنافسة فرصة تنظيم صفوفها.

وفي السياق، صرّح بأن لا حاجة لتعديل المجلة الانتخابية بحكم أن دستوره الجديد قد ضبط العملية، بما يوحي، في ظاهر الأمر، أنه لن يغيّر قواعد اللعبة التي سمحت له بدخول قصر قرطاج.

ولكن الأرجح أنه سيقوم بعملية التفافية عبر استخدام الهيئة المستقلة للانتخابات التي فقدت الكثير من استقلاليتها، لفرض قيود واستبعاد مرشّحين، مثلما تم استخدامها في تقديم شكاوى ضد بعض الشخصيات.

وبحسب مراقبين فإن ما هو واضح في تكتيكات قيس سعيّد الانتخابية جانبان: أولا، استخدام القضاء لاستبعاد المنافسين المحتملين تقريبا، إما بسوقهم للسجون أو إثقالهم بقضايا وملفات تمنعهم من الترشّح.

إذ بات يقبع اليوم عشرات من القيادات السياسية والاجتماعية وزعماء الأحزاب في المعتقلات، ويتردّد طيف آخر من السياسيين والنشطاء على قضاة التحقيق بسبب تصريح هنا أو هناك، فبمجرّد أن تعلن شخصية ما عن نيتها في الترشح حتى يأتيه الجواب مباشرة باستدعاء للتحقيق من وحدة الجرائم الإلكترونية وفق المرسوم 54.

ثانيا، البدء بحملة انتخابية مبكّرة باستخدام موارد الدولة عبر تكثيف الزيارات لبعض المدن الداخلية، يقال إنها زيارات مفاجئة، ولكنها في الحقيقة مرتبة في إخراجها وجمهورها، وغالبا ما تكون مصحوبةً بوعود انتخابية كثيرة وخطب نارية لا تتوقّف عن مقاومة الفساد والفاسدين.

وبموازاة ذلك كله بدأ تحريك مشروع الشركات الأهلية الذي يعد بمثابة الرافعة الأيديولوجية لمشروع سعيّد الخاص للحكم القاعدي، بديلا عن حكم الأحزاب والهيئات الوسيطة التي يمقتها، حيث يتماهى هنا الزعيم مباشرة مع الشعب، وتتحد الشرعية مع المشروعية، وإن كان عامل الزمن لا يسعفه للمضي في مشروعه إلى النهاية، كمن يجري في الوقت الضائع.

وتبدو المعادلة السياسية بتعقيداتها الداخلية والخارجية تفوق قدرة سعيّد على الاحتواء والضبط، وخصوصاً أن سلوكه السياسي يتسم بالعناد والتحدّي وردود الفعل، فيزيد ذلك من أخطائه ويُضعف جبهته الداخلية أكثر.

فقد حرّك ملفّ الانتخابات وما صاحبه من جدل سياسي وإعلامي ومعارك حقوقية كثيراً من المياه الراكدة في المشهد السياسي التونسي، وزرع ألغاماً كثيرة تحت قدمي سعيّد نفسه.

وهذا ما يجعل اللعبة الانتخابية، رغم ما أحاطها به قيس سعيّد من قيود وكوابح، مغامرة غير مضمونة العواقب له ولأنصاره، خصوصاً إذا ما أرغم على خوضها بغير الشروط التي يريد فرضها على الساحة.

وما يزيد في إنهاك سعيّد وانكماش جمهوره أكثر، استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية بشكلٍ غير مسبوق، والتي يلخصها اليوم مشهد وقوف التونسيين في طوابير طويلة من أجل الحصول على الخبز والمواد الأساسية، وهو أمرٌ غير معهود منذ بداية استقلال تونس عن الاحتلال الفرنسي سنة 1956.

ولا نتحدّث هنا عن تراجع نسبة النمو إلى ما يقرب من الصفر (0.4%)، وارتفاع نسب البطالة وحجم المديونية مقابل تراجع الإنتاج والاستثمار الداخلي والخارجي والسياحة وكل شيء.

ورغم أن أجهزة الدولة لم تتوقّف عن إسناد سعيّد، منذ أعلن إجراءاته الاستثنائية يوم 25 يونيو/ حزيران 2021، إلا أنها بدأت تضيق به، ويرجّح ألا نذهب معه بعيداً إلى حد التجييش أو التحكّم في العملية الانتخابية.

وفي هذه الحالة، ربما يجد سعيد نفسه مضطرّا للتعويل على عضلاته الخاصة، أي قاعدته الشعبية المتآكلة، فقد وفر له جهاز الجيش، وبدرجة أقل، البوليس الحماية منذ ذلك الوقت، استنادا إلى ما تعتبره هذه الأجهزة سلوكا انضباطيا وتنفيذا لتعليمات “القائد الأعلى للقوات المسلحة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق