رئيسيسياسي

قراءة في الموقف الرسمي الهجين في تونس من تجريم التطبيع

لم يخرج قانون تجريم التطبيع في تونس إلى النور على الرغم من تأييده من تيار واسع من الشرائح والطبقات الشعبية من دون الاقتصار على بعض النخب السياسية والنقابية والفكرية.

ورأى الأكاديمي والوزير السابق سالم لبيض أنه بالرغم من أن التطبيع ضارب في التاريخ الرسمي التونسي المعاصر، فهو يعود إلى دعوة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة العرب في أثناء زيارته أريحا سنة 1965 إلى الاعتراف بـإسرائيل وتقاسم الأرض الفلسطينية معها.

وما تلاه، زمن حكم زين العابدين بن علي، من تبادل فتح مكاتب التمثيلية الدبلوماسية مع الدولة العبرية 1996- 2000، وكان على رأس مكتب تونس في عاصمة الدولة الصهيونية خميس الجهيناوي الذي عيّنه الرئيس السابق الباجي قائد السبسي وزيرا للخارجية سنة 2016، ونائبه طارق الأدب مندوب تونس الحالي في الأمم المتحدة.

وكذلك زيارة وزير الخارجية الصهيوني تونس للمشاركة في قمّة مجتمع المعلومات سنة 2005.

إلا أن الحديث والعمل من أجل تجريم التطبيع في التشريعات التونسية والحدّ من آثار الاختراقات الصهيونية الاستخباراتية والأكاديمية والرياضية والفنية والسياسية يعدّ من ثمار الثورة التونسية، وضُمّن في البرامج الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية، في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، والانتخابات التشريعية والرئاسية سنتي 2014 و2019.

كما احتلّ الموضوع حيّزا مرموقا في نقاشات المجلس الوطني التأسيسي، وإمكانية تجريم التطبيع في الدستور التونسي، وخصّه بالفصل عدد 27 من نسخة 2012، وجاء فيه “كلّ أشكال التطبيع مع الصهيونية جريمة يُعاقب عليها بقانون”، ليتمّ إلغاؤه في النص النهائي الصادر في 27 يناير/ كانون الثاني 2014.

في السياق، صرّح الخبير الدستوري آنذاك، قيّس سعيّد، لإذاعة تطاوين الجهوية يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، قائلا: “لا شيء يمنع على الإطلاق من إدراج فصل تجريم التطبيع بالدستور التونسي، لأن هذه إرادة الشعب وإرادة السلطة التأسيسية هي التي تمثّل الشعب، المهمّ الاتفاق على ذلك”.

وتقدّمت كتلة الجبهة الشعبية (15 نائبا ينتمون إلى 11 حزبا سياسيا ماركسيا وقوميا عربيا) إلى البرلمان التونسي 2014 – 2019 بمبادرة تشريعية لتجريم التطبيع سنة 2015، كان لها صدى واسع لدى عموم النوّاب، خصوصا عند اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية سنة 2018، وما أثاره ذلك الاعتراف من ردود فعل شعبية حادّة.

وفي أثناء الدورة النيابية 2019-2021، تبنّت الكتلة الديمقراطية (تحالف بين حركة الشعب والتيار الديمقراطي من 38 نائبا) سنة 2020 مشروعا مماثلا. ولكن كل تلك النقاشات ومحاولات إدراج تجريم التطبيع في دستور 2014، أو في التشريعات والقوانين الجاري بها العمل، قد باءت لاحقا بالفشل.

يعود التطبيع الرسمي التونسي إلى دعوة بورقيبة العرب إلى الاعتراف بـ”إسرائيل” وتقاسم الأرض الفلسطينية معها

مشروع قانون أمام البرلمان

لم يحُل ذلك دون تقديم مبادرة تشريعية إلى البرلمان التونسي، المنتخب حديثا، وفق آليات ما جاء في دستور الرئيس سعيّد لسنة 2022، من كتلة الخط الوطني السيادي (تحالف بين حركة الشعب القومية العربية 11 نائبا وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد اليساري الماركسي – اللينيني بنائبين واثنين من النواب المستقلين) وذلك يوم 12 يوليو/ تموز 2023.

يتكوّن مشروع القانون الحامل عنوان “مقترح قانون يتعلّق بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني” من سبعة فصول. عرّف الأول في فقرته الثانية التطبيع بالقول: “يقصد بالتطبيع إقامة علاقات طبيعية مباشرة أو غير مباشرة مع ما يسمّى دوليا بإسرائيل وأجهزتها ومواطنيها ونسمّيه نحن الكيان الصهيوني”.

وحدّد الفصل الثاني من هو مرتكب جريمة التطبيع كالتالي: “التطبيع جريمة يعدّ مرتكبا لها كلّ من قام أو شارك أو حاول القيام بأحد الأفعال التالية: –

الاتجار والتعاقد والتعاون والتواصل بكلّ أنواعها التجارية والصناعية والحرفية والمهنية والخدمية والثقافية والعلمية والرياضية بمقابل أو بدونه بصفة عرضية أو متواترة وبشكل مباشر أو عبر وساطة من قبل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين من ذوي الجنسية التونسية مهما كان مقرّ إقامتهم مع كلّ الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين ينتمون للكيان الصهيوني أفرادا ومؤسسات حكومية وغير الحكومية عمومية وخاصة.

– المشاركة بأي شكل من الأشكال في الأنشطة والفعاليات والتظاهرات والملتقيات والمعارض والمسابقات بأنواعها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والفنية والرياضية التي تُقام على الإقليم الذي تحتلّه أو تتحكّم فيه سلطات الكيان الصهيوني”.

وحدّد الفصل الثالث معاقبة المطبّع قائلا: “يُعاقب مُرتكب جريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني بالسجن لمدّة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وبغرامة تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دينار، وتُعتبر المحاولة في جريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني موجبة لنفس العقوبة”.

وفصّلت بقية الفصول القول في الجانب القضائي، فجعلت من وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس الجهة الوحيدة المخوّلة بإثارة الدعوى العمومية وممارستها في الجرائم ذات الصبغة التطبيعية، ومكّنت وكلاء الجمهورية لدى بقية المحاكم الابتدائية من الإذن بالقيام بالأبحاث الأولية المتأكّدة لمعاينة الجرائم وجمع الادلّة والكشف عن مرتكبيها، كما خصّت المحكمة الابتدائية بتونس دون سواها من المحاكم العدلية والعسكرية بالنظر في جرائم التطبيع.

ويعود الفضل في الإسراع بعرض مشروع القانون على لجنة الحقوق والحرّيات التي أنهت أشغالها، وصادقت على النص يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعد تقديم عريضة ممضاة من 97 نائبا لاستعجال النظر، إلى ملحمة غزّة والنصر المبين الذي حققته كتائب عز الدين القسام يوم 7 أكتوبر وما تلاه من معارك وارتقاء شهداء وسقوط جرحى، وتحرّك الشارع التونسي وخروجه على بكرة أبيه إلى الساحات والفضاءات العامة دعما لغزّة ضدّ الإبادة الجماعية ومساندا للقضية الفلسطينية والحيلولة دون تصفيتها.

استند مجلس النواب في الإسراع بتمرير مشروع القانون للمناقشة في جلسة عامة علنية إلى الموقف الذي عجّل باتخاذه الرئيس قيّس سعيد، حينما أصدر بلاغا (بيانا) تم نشره بصفحة الرئاسة التونسية على “فيسبوك” مساء يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واعتُبر ملائما للإرادة الشعبية ولموقف عموم التونسيين.

جاء فيه “تعبّر تونس عن وقوفها الكامل وغير المشروط إلى جانب الشعب الفلسطيني، كما تذكّر بأن ما تصفه بعض وسائل الإعلام بغلاف غزّة هو أرض فلسطينية ترزح تحت الاحتلال الصهيوني منذ عقود، ومن حقّ الشعب الفلسطيني أن يستعيدها وأن يستعيد كل أرض فلسطين، ومن حقّه أيضا أن يقيم دولته المستقلة عليها وعاصمتها القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين”.

وأضاف في النص نفسه: “على العالم كله ألا يتناسى مذابح العدوّ في الدوايمة وبلدة الشيخ ودير ياسين وكفر قاسم وخانيونس والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وغيرها، وعليه ألا يتناسى أيضا مئات الآلاف من الذين هُجّروا من ديارهم وسُلبت منهم أراضيهم، عليهم أن يتذكروا هذه التواريخ وعليهم أن يعترفوا بحق المقاومة المشروعة للاحتلال ولا يعتبرون هذه المقاومة اعتداء وتصعيدا”.

ولم يكتف الرئيس التونسي بما ورد في البلاغ الرئاسي، وإنما أشرف على مجلس الأمن القومي التونسي، المكون من رئيسي مجلس نواب الشعب والحكومة ووزيري الداخلية والدفاع الوطني وقادة الجيوش والمديرين العامين للأمن والحرس الوطنيين وبعض مستشاري الرئيس، وذلك يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وفق ما جاء في الفيديو المنشور في صفحة رئاسة الجمهورية على “فيسبوك” في التاريخ نفسه.

فخطب قائلا: “نؤكّد ما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تؤكّده كلّ يوم. نؤكّد عهدنا على مواصلة النضال بالكلمة الأمينة المعبّرة عن الطلقة الشجاعة من أجل تحرير كامل الوطن المحتلّ بالجماهير العربية معبّئة ومنظّمة ومسلّحة والحرب الثورية طويلة الأمد أسلوبا حتى تحرير فلسطين كلّ فلسطين.. والمعركة هي معركة ضد الصهيونية في العالم لا تراجع في ذلك”.

معارضة سعيّد ورئيس البرلمان

وفُهم من ذلك كله أن الرئيس التونسي صاحب مقولة “التطبيع خيانة عظمى”، الذائعة الصيت، قد يصل به الأمر إلى إعلان النفير وفتح باب التطوّع وإعلان الحرب على الكيان الصهيوني، خصوصا وأن العهد الذي قطعه على نفسه بمواصلة النضال من أجل تحرير فلسطين كاملة يتمّ بالجماهير العربية، مسلّحة لخوض حرب ثورية طويلة الأمد.

وهو خطاب منظمة التحرير الفلسطينية عقودا طويلة، حتى أن المصطلحات المستخدمة تدخُل في نطاق ملكيّتها التاريخية والأدبية، وما زالت بعض فصائلها المسلّحة تمارسه على الأرض، كان في حضرة قادة الجيوش التونسية وتحت رقابتهم. ومن ثمّة، يعدّ تجريم التطبيع عملا يسير التحقيق والإنجاز بالنسبة لمن يقدّم خطابا تعبويا لا ينقصه سوى توزيع البنادق للالتحاق بالجبهة.

كان ذلك الموقف الثوري والراديكالي للرئيس قيّس سعيّد، وخصوصا وصفه التطبيع بالخيانة العظمى، الأرضية التي سيفترشها البرلمان في تعيين جلسة عامة للمصادقة على مشروع قانون تجريم التطبيع، وذلك يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

إلا أن النواب فوجئوا بالقرار الذي اتخذه رئيسه إبراهيم بودربالة بإلغاء تلك الجلسة، متعلّلا بطلب من وزير الخارجية، نبيل عمّار، للاستماع إليه في ما يتعلّق بحيثيات هذا القانون.

والحال أن لجنة الحقوق والحريات راسلت الوزير المعني للاستماع إليه، لكنّه ردّ على المراسلة بأن هذا الأمر هو من مشمولات وزارة العدل التي تجاهلت طلبا مماثلا.

وتحت الضغط الذي مارسه بعض النواب بتحديد موعد جديد للجلسة العامة، وافق بودربالة بأن تنعقد تلك الجلسة يوم 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، واعتُبر ذلك التاريخ مناسبة لإقرار قانون تونسي يسند القضية الفلسطينية في ذكرى وعد بلفور المشؤوم.

انعقدت تلك الجلسة في مناخ مشحون برفع الشعارات والهتافات داخل قاعة الجلسة العامة والاتهامات بالتآمر ووصم التطبيع الذي لحق بعض النواب على خلفية مواقفهم الرافضة تمرير القانون، ليطاول رئيس المجلس نفسه.

خاصة أن وزير الخارجية نبيل عمار صرّح للتلفزة الوطنية التونسية عشية انعقاد الجلسة متحفّظا على القانون، قائلا: “لا فائدة منه، طالما لا يوجد تطبيع أصلا بين تونس وإسرائيل”، مطالبا البرلمان بضرورة استشارة جميع الوزارات المعنيّة، واستنكر سنّ قانون في يوم واحد.

وقد استُشفّ مما قاله الوزير عدم رغبة السلطات الحاكمة في تونس بتمرير قانونٍ يجرّم التطبيع، وهو ما سعى رئيس البرلمان إلى تحقيقه بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك العمل على تعطيل الجلسة العامة والحيلولة دون انعقادها.

وفي ظلّ إصرار أغلبية النواب على المصادقة على القانون، وبلوغ مرحلة مناقشة الفصول فصلا فصلا والمصادقة على الأول والثاني بأغلبية تفوق نصف أعضاء المجلس، ألقى رئيس البرلمان كلمة كانت بمثابة القنبلة السياسية التي انفجرت في الجلسة العامة، وبلغت شظاياها مختلف وسائل الإعلام ومنتديات السوشيال – ميديا، وأحدثت ردود فعل عميقة في نقاشات النخب والأوساط الشعبية على حدّ السواء بشأن مدى مصداقية الرئيس سعيّد في ما يردّده منذ سنة 2019 أن التطبيع خيانة عظمى.

قال بودربالة بصريح القول: “رئيس الجمهورية أكّد لي بالحرف الواحد، بحضور نائبي رئيس البرلمان، أن مقترح تجريم التطبيع سوف يضرّ بالمصالح الخارجية لتونس، وأن هذا القانون يدخل في خانة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وأن هذا الموضوع اتّخذ طابعا انتخابيا لا أكثر ولا أقلّ.

هذا موقف رئيس الجمهورية، وعاهدتُ نفسي أن أكون أمينا معكم بعد أن استأذنت الرئيس في نقله”. لم تقتصر آثار هذا الحديث، الذي يحمّل الرئيس قيّس سعيّد مسؤولية تعطيل القانون بكلّ وضوح ومن دون مواربة، على الرأي العام وقواه الفاعلة التي استبشرت بموقف الرئيس التونسي مما يجري في قطاع غزّة الجريحة المكلومة.

خطب سعيّد بحماسة تلهب مشاعر الجماهير، قائلا: “والغاية من هذه الكلمة ليست الدخول في سجال قانوني عقيم، ولا في جدل في عدد من المصطلحات والمفاهيم القانونية التي لا جدوى منها في هذه اللحظات التاريخية التي يواجه فيها شعبنا العربي في فلسطين أبشع الجرائم، ولكن يواجهها بعزيمة الفدائي المقاتل، وبنفس العزيمة التي نتقاسمها معه، لأننا لا نرضى إلا بالنصر أو بالاستشهاد”.

تمكّن الرئيس سعيّد بهذا الخطاب تسويق نفسه، كما الأمر سنة 2019، في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، أنه العدوّ الأول للتطبيع في تونس، وأعطى صورة سيّئة عن برلمان الجمهورية الجديدة الذي انهزم هزيمة نكراء في معركة إثبات وجوده، مؤكّدا فقدانه المشروعية والتمثيلية.

فهو منتخب من 10% فقط ممن هم معنيون بالانتخابات التونسية، وغالبا ما يوصَم بأنه مجرّد ذراع للرئيس يستخدمها أداة تشريعية بكل انصياع وقابلية، فضلا عن أن دوره لا يتجاوز تزكية النصوص التي تضعها مصالح الإدارة التونسية.

وفي الوقت الذي تمكّن فيه الرئيس من قبر مشروع قانون تجريم التطبيع، ومن تثبيت صورة البرلمان الخانع المطيع الذي لا حول له ولا قوّة ولا استقلالية، وأن رئيسه مجرّد موظّف لدى رئيس الجمهورية قد لا يغفر له ما يرتكب من أخطاء.

وعليه بات مؤكّداً بعد كل ما تمّ بيانه أن الموقف الرسمي التونسي من معركة تجريم التطبيع موقف هجينٌ لا يخلو من ازدواجية ومناورة، وأن هذه المعركة السيادية لا قبل للرئيس سعيّد ولحكومته بها، فهي تعود إلى ما قبل تولّي سعيّد رئاسة الجمهورية، وستتواصل بعد مغادرته كرسي الرئاسة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق