الثورة المضادةرئيسي

استبداد قيس سعيد يدفع بتراجع منظمات المجتمع المدني في تونس

يدفع استبداد رئيس الجمهورية قيس سعيد وما يفرضه من سلطة شمولية بتراجع شديد في دور منظمات المجتمع المدني في تونس وتقويض مهامها.

ويجمع مراقبون على حاجة منظمّات المجتمع المدني في تونس إلى توحيد صفوفها، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتجاوز خلافاتها الأيديولوجية وحساباتها المصلحية الضيقة، بهدف تشكيل قوّة ضغط وازنة، قادرة على وضع حدّ لامتداد الدولة الشمولية في تونس.

وتعد منظمات المجتمع المدني مكوّن أساسي من مكوّنات البناء الديمقراطي في الدول التقدّمية، فهي أفضية مؤسّسية حيوية لانتظام المواطنين طوْعيا داخل أُطر جمعوية قانونية للدفاع عن مصالحهم، وممارسة حقوقهم، والتعبير عن مطالبهم بطريقة سلمية.

وتضطلع المنظمات الأهلية بأدوار حيوية في مستوى نشر ثقافة الاختلاف وحقوق الإنسان، ومراقبة أداء المنظومة الحاكمة، والتعاطي مع سياساتها بالنقد أو التأييد. فهي تشكّل قوّة ضغط مهمّة، تؤمّن التوازن بين جموع المواطنين والنظام الحاكم.

وعليها المعوّل في إنتاج قيادات شابّة، وصناعة الفعل الاحتجاجي، والانتصار للمظلومين والمضطهدين. وهي قوّة مدنية مؤثرة في صنّاع القرار، ومساهمة في توجيه السياسات العامّة للدولة.

وفي السياق التونسي، اضطلعت منظمات مدنية وازنة (الاتحاد العام التونسي للشغل، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الهيئة الوطنية للمحامين) بعد الاستقلال بأدوار ريادية في مستوى نقدها النظام الشمولي زمن الحبيب بورقيبة.

فقد عارضت سياساته الأحادية، واستفراده بالحكم، وتنكيله بمعارضيه، وقامت بتحشيد الشارع ضدّ ميوله السلطوية.

وتأكّد ذلك من خلال ما جدّ من مواجهات دامية بين اتحاد الشغل وآلة بورقيبة القامعة سنة 1978، وأدّت إلى هلاك نقابيين كثيرين واعتقال آخرين.

ومع صعوده إلى سدّة الحكم، عمد زين العابدين بن علي إلى احتواء المركزية النقابية، وترويض قيادات اتحاد الشغل التي هادنت نظامه الشمولي إلى حين اندلاع الثورة.

لكنّ علاقة الرئيس المخلوع بمنظمات مدنية أخرى (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، جمعية القضاة، هيئة المحامين) كانت متوتّرة.

ذلك أنّ تلك المنظمات رفضت محاولاته المحمومة لتدجينها واختراقها والسيطرة عليها، واستماتت في الدفاع عن استقلاليتها.

ولعبت الهياكل الجمعوية المذكورة أدوارا متقدّمة في التصدّي لنظام بن علي وكشف انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان.

كما تصدّرت مشهد الدفاع عن سجناء الرأي، ونبّهت الرأي العام الدولي إلى مخاطر استفحال الديكتاتورية في تونس.

ويتضح أن منظمات المجتمع المدني عاشت عصرها الذهبي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي (2011/2021).

فبعد الثورة، تحرّر العمل الجمعوي، المدني من هيْمنة السلطة التنفيذية ورقابتها اللصيقة، ومارست المنظمات المدنية أنشطتها في كنف الحرّية، وشاركت في رسم أبرز معالم المرحلة التأسيسية، من قبيل صياغة دستور الثورة، والقانون الانتخابي، ومراقبة الاستحقاقات الانتخابية، وتغيير قانون الصحافة.

وقد واكبت جلّ أعمال اللجان في مجلس نوّاب الشعب، وتمّت استشارة ممثليها بشأن تمرير قوانين أو عدمه، وكانت تنْفذ إلى مصادر المعلومة في جلّ المؤسّسات العمومية، وكانت تسائل جهات حكومية في مسائل شتّى.

كما شكلت قوّة ضغط على صنّاع القرار، وساهمت إلى حدّ ما في توجيه السياسات العامّة للدولة. بل قادت بعض المنظمات تحرّكات احتجاجية ضدّ المنظومة الحاكمة (اعتصام الرحيل، حملة مانيش مسامح…)، وكان لها دور مباشر أو غير مباشر في تشكيل حكومات وتنحّي أخرى (حكومة الترويكا مثالا).

وجرى تتويج الدور الفاعل للمنظمات المدنية داخل الاجتماع التونسي بحصول الرباعي الراعي للحوار الوطني (الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة، الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، عمادة المحامين) على جائزة نوبل للسلام.

وذلك تقديرا لجهود تلك المنظمات في حلحلة الأزمة السياسية التي شهدتها تونس سنة 2014 إثر احتدام الصراع على الحكم بين الترويكا ومعارضيها، وهي جهود وضعت الفرقاء السياسيين على سكّة الحوار والتوافق، وجنّبت البلاد مساوئ احتمال اندلاع نزاع عنيف على السلطة.

لكنّ الدور الطليعي للرباعي المذكور خصوصا، ومنظمات المجتمع المدني عموما آل إلى الضمور مع صعود قيس سعيّد إلى سدّة الحكم وتولّيه قيادة مسار 25 يوليو 2021.

ويمكن رصد تراجع القوّة التأثيرية للهياكل الجمعوية المدنية من خلال استجلاء مواقفها من ثلاث قضايا، أبرزها التدابير الرئاسية الاستثنائية ومخرجاتها، والثانية قضية المعتقلين السياسيين، والثالثة اجتراح حلّ للأزمة التونسية الراهنة.

فقد باغتت أحداث 25 يوليو 2021 جلّ منظمات المجتمع المدني التي لم تشارك في اندلاعها، ولم تتهيّأ لها بشكل استباقي حتّى أنّها لم تتوقّع إمكانية زعزعة الهرم المؤسسي الديمقراطي الذي ساهمت في تشييده على امتداد عقد كامل بمجرّد تظاهر قِلّة من المحتجّين في بعض المدن التونسية، وصدور أوامر رئاسية أحادية، وتضخيم للأحداث في بعض القنوات التلفزية العربية.

لذلك، أربكت التدابير الاستثنائية الهياكل الجمعوية التي تباينت في تقييمها. فبعض المنظمات لزمت الترقّب والوقوف على الربوة. فيما مالت أخرى في البداية إلى تأييد ما حصل.

وهو شأن اتحاد الشغل الذي عدّ ذلك “إنهاء لحقبة وضعت تونس على صفيح نار”، وكذا فعلت منظمة الأعراف (رجال الأعمال)، وهيئة المحامين، واعتقدوا أنّ الأمر تصحيح لمسار الثورة، وفي أقصى الحالات هو استهداف لخصومهم الإسلاميين (حركة النهضة) بغاية إخراجهم من منظومة الحكم.

لكنّ ذلك لا يمنع من أنّ منظمات سواها انقسمت داخليا حيال حركة 25/07/2021 حتّى أصدرت المنظمة الواحدة البيان وضدّه بشأن ما حدث وهو حال الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، والجمعية التونسية للمحامين الشبان. وذلك لتوزّع الهيكل التسييري للمنظمتين بين مؤيّدين لمشروع قيس سعيّد ومعارضين له.

ومن المفيد الإشارة إلى أنّ قِلّة من المنظمات اعتبرت منذ البداية التدابير الاستثنائية “انقلابا على الدستور” مثل جمعية “بيْتي”، و”أنا يقظ” والجمعية التونسية للدفاع عن الحرّيات الفردية.

ومعلوم أنّ صدور الأمر الرئاسي عدد 117 الذي منح قيس سعيّد صلاحيات واسعة، وجعل كلّ السلطات بيده قد أحدث صحوة نسبية في صفوف المجتمع المدني، ودفع بعض المنظمات إلى النأي بنفسها عن تأييد مسار 25/07/2021 والانخراط في نقده وهو شأن اتحاد الشغل الذي قاطع الاستشارة الإلكترونية الرئاسية، لأنّها تمّت بناء على قرار فردي، تجاهل استشارة الفاعلين المدنيين.

وقد قاطع أشغال اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية لصياغة مشروع الدستور لأنّ مخرجاتها صورية، ولم تكن ملزمة لرئيس الجمهورية.

واعترضت منظمات وازنة أخرى مثل جمعية القضاة، ونقابة الصحافيين وجمعية النساء الديمقراطيات على منظومة سعيّد، وطالبت بتسقيف الاستثناء، واحترام الدستور، والحقوق والحريات.

في المقابل، استمرّ اتحاد الصناعة والتجارة، واتحاد المرأة، وهيئة المحامين في تزكية التوجّهات الرئاسية. ومن ثمّ لم يكن المجتمع المدني على قلب رجل واحد في مستوى نقض التدابير الاستثنائية.

كما أنّ معارضيها اكتفوا بإصدار بيانات التنديد وعرائض الإدانة للخطوات الرئاسية، ولم يتجاوزوا الظهور الإعلامي الاستعراضي إلى تشكيل قوّة مدنية موحّدة ضاغطة على أصحاب القرار، وبلورة حركية احتجاجية مستدامة ومشتركة.

فضاعت في ظلّ ذهول المجتمع المدني مكاسب ناضل من أجلها جيل الثورة مثل النظام البرلماني، والفصل بين السلطات، والحكم المحلّي، والدستور التوافقي، والعدالة الانتقالية، والهيئات الدستورية. ويمكن تفسير تخاذل الفاعلين المدنيين وتشتتهم بتباين تقييمهم للعشرية الديمقراطية، وارتهان بعضهم لخلفيات أيديولوجية، وشيوع الخوف بين آخرين بسبب حملات السحل الإلكتروني التي يشنّها أشياع الرئيس ضدّهم إذ اتّهموهم بالخيانة، والعمالة والتبعية للخارج.

في خصوص التعاطي مع قضية المعتقلين على خلفيات سياسية، بدا ردّ فعل جلّ المنظمات المدنية الوطنية باهتا، ميّالا إلى لزوم الصمت والوقوف على الربوة (اتحاد الشغل، منظمة الأعراف…). في حين طالبت منظمات حقوقية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية البوصلة وجمعية النساء الديمقراطيات وائتلاف صمود بإطلاق سراح الموقوفين في ما يعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”. لكنّها لم تبلور استراتيجية احتجاجية مكثفة لفرض الإفراج عنهم.

ويستهجن مراقبون صمْت منظمات المجتمع المدني حِيال حبْس رئيس البرلمان راشد الغنوشي على خلفية تصريح أدلى به خلال اجتماع لجبهة الخلاص، وسكوتها على غلق مقرّات حركة النهضة إلى أجل غير مسمّى، واعتقال رئيس الحكومة السابق علي العريض ووزير العدل السابق نور الدين البحيري.

ورجّحوا أنّ ذلك راجع إلى أنّ بعض المنظمات المدنية والحقوقية التونسية ما انفكّت أسيرة الازدواجية، والحسابات الأيديولوجية الضيّقة حتّى أنّها ترى كلّ إسلامي متّهما بالضرورة.

أمّا بشأن اجتراح حلول لأزمة تونس المركبة، فمنظمات المجتمع المدني مخيّرة بحسب ملاحظين بين أمرين، الأوّل، تحشيد الشارع الاحتجاجي ضدّ النظام القائم، وهو خيار غير متاح حاليا.

ذلك أنّها لا تحظى بحاضنة شعبية واسعة، وتعاني من انقسام داخلي بين مؤيد لسعيّد ومعارض له، وهي تنأى بنفسها عن التحالف مع الأحزاب الوازنة ما يجعلها غير قادرة على تحريك الشارع. والثاني، مدّ جسور الحوار مع المنظومة الحاكمة والسياسيين ومكونات المجتمع المدني بحثا عن حلول توافقية شاملة لأزمات البلاد المعقدة.

وهو خيار بدأه اتحاد الشغل في إطار “مبادرة الإنقاذ الوطني” التي لوّح بها ولم ترَ النور بعد، ويبدو أنّها ذهبت أدراج الرياح بسبب عدم التفات رئيس الجمهورية إليها، وعدم عرض الاتحاد وشركائه محاملها التفصيلية على التونسيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق