رئيسيسياسي

دراسة: الانتخابات البرلمانية لن تعزز ثقة التونسيين بنظامهم الاستبداد

قالت دراسة صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، إن الانتخابات البرلمانية المقررة بعد أيام في تونس لن تعزز ثقة التونسيين بنظامهم الاستبدادي، مبرزة “حالة من التشاؤم تسود بين التونسيين قبل الانتخابات”.

وذكرت الدراسة أنه مع تزايد الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية في مناطق كثيرة من تونس، وقرب انطلاق سلسلة الانتخابات المخطط لها هذا الشهر وفي العام المقبل، ليس هناك احتمالات كبيرة لتعزيز ثقة الجمهور في حكومة استبدادية بشكل متزايد.

وجاء في الدراسة: قبل أسبوعين على موعد الانتخابات التشريعية الأولى التي ستشهدها تونس منذ إقرار دستورها الجديد، تسود حالة من الشكوك وليس الكثير من الأمل بين المواطنين.

فالتصويت كان يعني اكتمال خارطة الطريق السياسية المثيرة للجدل التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

لكن نظراً إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد، فإن السؤال الأكثر أهمية هو متى ستصل البلاد إلى نقطة تحوّل تندلع خلالها الاضطرابات التي لن يعُد بإمكان الرئيس احتوائها.

العملية الانتخابية الإشكالية

في أيلول/سبتمبر، أصدر سعيد قانوناً انتخابياً جديداً يحظر على الأحزاب السياسية تشكيل قوائم انتخابية، ويلزم بدلاً من ذلك جميع المرشحين بخوض المعركة كمستقلين وتقديم قائمة اسمية تضم 400 تزكية موقعة من الناخبين.

وقد أدت هذه الشروط إلى خفض عدد المرشحين – وخاصة النساء، الذين يواجهون عقبات اجتماعية في العديد من المجالات بسبب الأعراف التقليدية بين الجنسين.

وعلى الرغم من أن الحكومة مددت فترة التسجيل لثلاثة أيام، إلّا أن العدد النهائي للمرشحين لم يتجاوز 1055 مرشحاً في 161 دائرة انتخابية، من بينهم 122 امرأة فقط.

وإزاء هذه الشروط القمعية، قررت العديد من الأحزاب مقاطعة الانتخابات. علاوة على ذلك، أثار منع الأحزاب من تمويل المرشحين مخاوف من فوز أولئك الأكثر ثراء في الانتخابات.

وتركت هذه العوامل مجتمعة أبناء الشعب مع القليل من الأمل في أن يكون مجلس النواب المقبل ممثلاً حقيقياً له. كما أن البيئة السياسية الغامضة التي أنشأها سعيد دفعت بالبعض حتى إلى التشكيك بإمكانية إجراء الانتخابات أساساً.

تزايد السخط

في غضون ذلك، لا تبدو درجة ثقة التونسيين برئيسهم واضحة.

فنسبة المشاركة الضئيلة في الاستفتاء الدستوري الذي جرى في تموز/يوليو والتصريحات النقدية الصادرة عن فئات اجتماعية بارزة تشير إلى تراجع نسب تأييد سعيد منذ صيف 2021، عندما لاقت قراراته المفاجئة بتجميد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء ترحيب المواطنين على نطاق واسع.

وقد غيّر الدستور النظام السياسي في البلاد من نظام يتشارك فيه البرلمان والرئيس السلطة إلى نظام يتحكم فيه الرئيس بصلاحيات تشريعية كبيرة مع ضوابط وتوازنات محدودة.

لكن مهما تراجعت الثقة بسعيد، فقد تبقى أقل تأثيراً من اشمئزاز الشعب المتفاقم من الفساد الملحوظ وانعدام كفاءة النخب السياسية في البلاد.

ويتركز هذا الازدراء بشكل خاص على الإسلاميين الذين يميلون إلى تلقي اللوم بشكل عام على إحداث فوضى في فترة استلامهم السلطة.

ويعتقد الكثير من المراقبين أنه على الرغم من ازدياد أعداد المواطنين الذين أصبحوا يشككون بنوايا سعيد، إلا أن هجماته القانونية والسياسية على الإسلاميين ساهمت في جعل المواطنين يفكرون ملياً قبل انتقاده. ومن الناحية السياسية، ليس هناك بديل آخر أمامهم في الوقت الراهن.

كما تتزايد دوامة الاضطرابات المحلية وسط حالة من الإحباط بسبب نقص الوقود والمواد الغذائية والتضخم والبطالة، مما زاد وتيرة الاضطرابات في المناطق الفقيرة.

فعلى سبيل المثال، اندلعت منتصف تشرين الأول/أكتوبر أعمال شغب ليلية في حي التضامن الفقير في العاصمة التونسية بعد مقتل شاب من المحتجين أثناء مطاردة الشرطة له.

وخلال الشهر نفسه، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في شوارع مدينة جرجيس الجنوبية بعد أن دفنت السلطات جثث مهاجرين قضوا غرقاً في قبور لا تحمل علامات دون محاولة الاتصال بأسرهم المحلية.

وأثارت هذه الإهانة سخط المدينة بأكملها تقريباً، مما أرغم الرئيس على فتح تحقيق بالحادثة. ولا تزال الصدامات بين سكان جرجيس والدولة مستمرة: ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين بالقوة خلال مسيرة إلى جزيرة جربة حيث كانت تُعقد قمة دولية.

في المقابل، حشدت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر التي نظمتها الأحزاب السياسية الآلاف، إلا أنها لم تدفع بالرئيس إلى اتخاذ إجراءات أو التسبب في شن حملة قمع.

ويشير هذا التفاوت إلى أن الرئيس سعيد قد يكون “حساساً” بشكل خاص إزاء أي إشارات على خروج الناس “إلى الشارع”.

وبالفعل، يبدو أن سخط الشعب إزاء عجز الدولة عن تحسين أوضاعه المعيشية بطريقة مجدية ينفجر في عدة مناطق.

فالوضع السائد حالياً يعيد إلى الأذهان الأشهر التي سبقت انتخاب سعيد عام 2019، عندما كانت الاحتجاجات الاجتماعية وحالات الانتحار والصدامات مع الشرطة أحداثاً متكررة.

ويبدو أن الارتفاع المفاجئ في أعداد التونسيين الذين يهربون بالقوارب إلى أوروبا – ناهيك عن الهجرة القانونية – هي دليل آخر على تنامي هذه المشاعر، مما يؤكد ضرورة تبديد مخاوف الشعب الاقتصادية والاجتماعية الكامنة.

لكن حتى الآن، لم يفعل الرئيس شيئاً لاحتواء هذا الاستياء الشعبي باستثناء إصدار قوانين متشددة تعاقب على الجرائم السيبرانية، التي لم يتمّ تعريفها بشكل واضح، وتُجرم نشر “أخبار مزيفة”.

فعلى سبيل المثال، في تشرين الثاني/نوفمبر، رفعت وزارة العدل شكوى ضد المنافذ الإخبارية المناهضة للحكومة زاعمةً أنها تنشر “معلومات مضللة…بهدف تقويض أمن الدولة”.

كما يساور الناشطين القلق من احتمال صدور مرسوم جديد لتقييد عمل منظمات المجتمع المدني من خلال الحدّ من قدرتها على الحصول على تمويل خارجي.

وعندما تمّ تسريب مشروع هذا القانون في وقت سابق من هذا العام، تصدى له الناشطون بإصدارهم بيانات جماعية وطلبوا من الحكومات الأجنبية معارضته.

بعد ذلك، لم يتطرق أحد إلى موضوع مشروع القانون، لكن البعض يخشى من أن يشعر سعيد بمزيد من الاطمئنان بشأن تمرير قانون مماثل بعد أن توصلت حكومته إلى اتفاق مع “صندوق النقد الدولي” للحصول على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار دعماً لاقتصاد البلاد المتعثر.

نظرة قاتمة بعد الانتخابات

حتى لو جرت الانتخابات من دون اندلاع أعمال عنف على نطاق واسع أو عمليات تزوير، سيبقى الشعب مرتاباً حيال بقاء النظام الاستبدادي الذي يحكم قبضته على البلاد أكثر فأكثر.

فالشروط الانتخابية المذكورة أعلاه تضمن عملياً فوز برلمان غير تمثيلي يعمل في بيئة دستورية تمنح سعيد المزيد من الفرص لترسيخ سلطته.

ومن المزمع إجراء الانتخابات المحلية في ربيع عام 2023، وسيُطلب من الناخبين أيضاً اختيار ممثليهم لمجلس نواب ثانٍ جديد في غضون ستة أشهر.

لكن الوظائف الفعلية لهذا المجلس مبهمة، ومن غير المرجح أن تعزز الانتخابات الإضافية الثقة في النظام السياسي بعد أن أعاد سعيد هيكلة اللجنة الوطنية للانتخابات واختار بنفسه أعضاءها.

وسيشكل الاقتصاد المتدهور عاملاً أكثر حسماً حتى في تحديد الجو العام السائد في أوساط المواطنين. فقد ارتفعت نسبة الدَيْن إلى “الناتج المحلي الإجمالي” إلى 89 في المائة (مقارنة بـ 47 في المائة في عام 2011)، وعلى الرغم من أن قرض “صندوق النقد الدولي” قد يمنح السلطات بعض الوقت، إلّا أن المبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات تمويل الحكومة أو منع الوضع من التدهور أكثر.

فضلاً عن ذلك، لا يزال يتعين على السلطات تطبيق الإصلاحات غير الشعبية والتي اشترطها القرض – وهي مهمة لم تتمكن الحكومات السابقة من تنفيذها.

وقد يكون الدور الذي ستلعبه القوات الأمنية عاملاً حاسماً آخر. فبخلاف الشرطة، يحظى “الجيش الوطني التونسي” بشعبية كبيرة، وعلى الرغم من أنه نفذ في الأصل أوامر سعيد لإقفال مكتب رئيس الوزراء والبرلمان، إلا أنه توارى بعد ذلك عن الأنظار.

وتقليدياً، لم يتدخل الجيش في اللعبة السياسية في تونس، وبإمكان قادته الحاليين رفض الأوامر الرئاسية لإطلاق النار على المحتجين إذا واجهوا مثل هذا الخيار، كما فعلوا في عام 2011.

ومع ذلك، لا يزال الكثيرون يخشون من تبلور سيناريو يضطر فيه الجيش إلى استلام زمام الأمور نظراً إلى التهديد الذي قد يشكله إجراء مماثل على التقليد السائد في البلاد واستقرارها السياسي.

ولحسن الحظ، لا يزال هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الحالي، كما هو الحال مع احتمال إعادة انتخاب الأحزاب الإسلامية. لكن وفقاً لتعبير أحد المراقبين، فإن تونس بحاجة ماسة إلى حلول “كبيرة وجريئة”. وهناك احتمال أن لا يبقى المواطنون القادرين على توفير هذه الحلول في البلاد – خاصة بين جيل الشباب.

العلاقات مع واشنطن

قد تكون لمواصلة تدهور الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في تونس تداعيات خطيرة على المصالح الأمريكية.

فاستمرار هجرة التونسيين سيؤثر على أوروبا، التي سبق أن اضطرت إلى استقبال أعداد هائلة من اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

كما قد تدفع نقمة التونسيين على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ببعضهم إلى الانضمام إلى الحركات المتطرفة على الرغم من أن قوات الأمن أصبحت تتخذ إجراءات استباقية لمنع مثل هذه الأنشطة.

وفي نيسان/أبريل، حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن تونس مطالباً إياها “بالعودة إلى المسار الصحيح الذي كانت تسلكه” من أجل مواصلة شراكتها القوية مع واشنطن.

وقد تكون الخطوة الأولى على هذا الصعيد في ضمان عملية اقتراع نظيفة وشفافة خلال الانتخابات القادمة – أي عملية يصادق عليها مراقبون دوليون، وتعيد على الأقل استئناف عمل مجلس النواب التونسي (على الرغم من عيوبه).

كما ستكون إعادة إحياء مؤسسات ديمقراطية رئيسية أخرى – مثل المحكمة الدستورية – أو تأسيسها ضرورية لضمان الاستقرار.

على إدارة بايدن توضيح هذه المتطلبات عندما يزور سعيد واشنطن للمشاركة في “قمة الأعمال الأمريكية – الأفريقية” في وقت لاحق من هذا الشهر – إذا حضر.

ومصدر آخر للضغط هو دعم الولايات المتحدة للجيش التونسي الفعال إلى حد كبير في جهود مكافحة الإرهاب وضبط أمن الحدود.

ومع ذلك، من الضروري استخدام هذه الأداة بحذر لضمان احترام كافة القوات الأمنية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبقائها بعيدة عن السياسة.

وأخيراً، على الإدارة الأمريكية مواصلة العمل على إيجاد طرق لدعم الشعب التونسي، انطلاقاً من المساعدة الطارئة التي منحتها للبلاد بقيمة 60 مليون دولار في منتصف تشرين الأول/أكتوبر عبر “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”.

ومن الآليات التي يمكنها استخدامها هي اتفاقية “مؤسسة تحدي الألفية” البالغة قيمتها 499 مليون دولار والتي تهدف إلى تطوير قطاعي المياه والنقل في تونس، والتي يمكن المصادقة عليها فعلياً فور تشكيل البرلمان.

لكن تطبيق العقد بنجاح سيتطلب من الحكومة التونسية القيام ببعض التحسينات والالتزام بأن تحكم بعدل وتكفل الحرية الاقتصادية.

ولسوء الحظ، لا يبدو أن الرئيس سعيد مستعداً للقيام بذلك، حتى إذا قدمت الولايات المتحدة مساعدات إضافية لبلاده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق