أخبار تونسرئيسي

انسداد الأفق الديمقراطي وآليات التصدي لقطار الانقلاب في تونس

تجمع الأوساط الحزبية والحقوقية أن تونس تعاني من انسداد الأفق الديمقراطي وسط غموض في رؤية آليات التصدي لقطار الانقلاب الذي كرسه رئيس الجمهورية قيس سعيد.

ويبرز مراقبون أن التعثر الديمقراطي الحاصل في تونس قد يتواصل طويلا إذا لم يلتق المجتمع المدني مع الأحزاب السياسية من أجل إيقاف قطار الانقلاب.

ويحتاج هذا اللقاء الضروري جملة من الشروط والترتيبات، لعل أهمها الاعتراف بأن الثقافة السياسية التي رافقت الانتقال الديمقراطي لم تكن سوى قشرة سطحية منحصرة في نخب ضيقة.

ويؤكد الخبير القانوني، عياض بن عاشور، أن المسافة الفاصلة بين النخب والشعب لم تكن سوى مسافة وهمية، والأرجح أن الجميع كان مشدودا إلى “أرثوذوكسية” مناهضة للديمقراطية والاختلاف والتعدّد، وهي أميل إلى الوحدة والتشدّد المعادي للاختلاف. ولذلك كانت هذه الجموع الواسعة قد هللت للانقلاب.

لم يكن الإخفاق الاقتصادي سببا وحيدا لهذا التبرّم بالديمقراطية والضيق بها، بل كان الاستبداد نواة صلبة في مزاج الشعب والهوى العام لهذه الجماهير. الأرثوذوكسية بالمعنى المذهبي الديني (المالكية الأشعرية) كانت، حسب بن عاشور، نسقا راسخا في الثقافة الشعبية التونسية، التي فشلت النخب في نقلها إلى عصر الحداثة السياسية والديمقراطية.

هذه الأسباب البنيوية التاريخية العميقة هي التي حالت دون توطين الديمقراطية. ما زالت هذه الثقافة الشعبية كليانية ضاغطة على قناعات الناس مناهضة للتحرّر والديمقراطية.

كان على التونسيين جميعا أن ينتبهوا إلى أن بعض الأوهام حالت دون أن يروا الأمور من دون مساحيق. لقد تباهوا طويلا بمجتمع مدني عريق ورائد، غير أنه خذل الديمقراطية في أول اختبار، وذلك عائد إلى عدة تحولات عرفها المجتمع المدني خلال العشرية الفارطة، لعل أهمها تحوّل المجتمع المدني ذاته إلى قطاع تشغيلي في ظل ارتفاع عدد العاطلين عن العمل.

فقد منتسبون عديدون إلى هذا المجتمع المدني حسّهم النضالي، وتحولوا إلى يد عاملة لدى جمعيات ومنظمات تشغّلهم وفق أجنداتها.

كما أن بعض هذه الجمعيات قد تحوّل إلى بيوت استشارة وخبرة تقدّم معرفة بالمجتمع ومختلف ظواهره. وسحبت من هذا المجتمع الالتزام المواطني والمدني المناهض للسياسات التي تسنها الدولة.

وإن التوظيفات السياسية البارزة لهذا المجتمع، وتبعية بعض من الجمعيات والمنظمات إلى هذا الحزب أو ذاك كانت قد ورّطت هذا المجتمع في التسيس المفرط، حتى تحوّل هذا المجتمع المدني إلى أذرع مدنية للأحزاب السياسية، بل إن بعضا من هذا المجتمع المدني مارس أدوارا حزبية واضحة.

وإذا كان واضحا أن الأحزاب لا تختلف عن المجتمع المدني إلا في السعي إلى التنافس على السلطة، فإن بعض الجمعيات سعت، بطرق ملتوية، إلى الوصول إلى السلطة، مستغلة التمويل غير المراقب وثغرات في التشريع.

ويرى الباحث حاتم الفطناسي الذي أصدر، أخيرا، كتابا مهما باللغة الفرنسية، أن تونس قد انحرفت إلى شعبويةٍ خطيرة، تذهب هذا المذهب.

بل لا يتردد في تقديره أن استعادة الديمقراطية تقتضي نزع الأساطير التي رافقت هذا المجتمع المدني، فالنقد الذاتي الذي بات ضروريا من أجل استعادة الديمقراطية لا يعني الأحزاب فحسب، بل يشمل أيضا المجتمع المدني ذاته.

ويقول الجامعي أيمن البوغانمي الذي صدر له عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتابه “الشعب يريد: حين تأكل الديمقراطية نفسها” إن استعادة الديمقراطية في تونس مرهونة بالكفّ عن شيطنة العشرية الفارطة والتمثيل بالسياسيين.

وهو يؤكد أن الديمقراطية صمدت عشر سنوات وتلك معجزتها: لقد كافحت الديمقراطية ضد محيط إقليمي مناهض للديمقراطية، فضلا عن إرهاب عصف بالاقتصاد علاوة على مجتمع مدني منفلت، عملت فيها النقابات على شلّ الإنتاج، مستضعفة الدولة.

يأتي ذلك فيما لا يبدو شبح المال السياسي بعيداً عن برلمان تونس القادم بعد أن سيطر نفوذ الكارتلات المالية على النسخ الماضية من مجلس النواب التونسي، وسط توقعات بتشكل مشهد جديد تقوده المصالح القطاعية في توافق مع منظومة الحكم التي يؤسس لها الدستور الذي يمنح صلاحيات أوسع للحكم المحلي.

وينتخب التونسيون يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول الحالي برلمانا جديدا طبقا لأحكام الدستور الذي أقره الاستفتاء الذي أجري في يوليو/ تموز الماضي بعد عام من تجميد الرئيس قيس سعيد للبرلمان المنتخب عام 2019.

وسيتنافس 1052 مرشحاً في 151 دائرة انتخابية بالداخل، موزعة على 24 ولاية، وثلاثة مرشحين فقط في الخارج، بينما بقيت 7 دوائر بالخارج دون مرشحين.

فيما حذرت منظمات وأحزاب من الثغرات التي شابت المرسوم الانتخابي الذي سنه قيس سعيّد بمفرده في منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، الذي فتح المجال أمام المال السياسي المقنّع، وبعض أصحاب النفوذ والوجهاء والكارتلات المالية للترشح بسبب إلغائه التمويل العمومي للحملات الانتخابية.

ويقول المدير التنفيذي لمنظمة “أنا يقظ” (منظمة مدنية متخصصة في مكافحة الفساد) مهاب بالقروي، إن عودة المال السياسي إلى الواجهة عبر المؤسسة التشريعية الجديدة أمرا مطروحا بقوة في ظل قصور الأجهزة الرقابية، مرجحا تسلل أموال أجنبية لتمويل الحملات الانتخابية وصعود برلمانيين تحوم حولهم شبهات فساد.

وخلال العقد الماضي، لم يخف رجال الأعمال وكبار المتعاملين الاقتصاديين في تونس دعمهم مرشحي الانتخابات حيث لا تخلو حملات المرشحين من مختلف الأحزاب السياسية من حضور بارز لشخصيات اقتصادية نافذة.

فيما تظل الأرقام المالية التي يضخها رجال الأعمال في حسابات الأحزاب والمترشحين مخفية، رغم قوانين الرقابة الصارمة على حسابات الأحزاب والحملات الدعائية وسط تحذيرات من التأثيرات السلبية الخطيرة للمال السياسي الداخلي والخارجي.

وعادة ما يصطف أصحاب النفوذ المالي في تونس وراء السلطة التنفيذية حيث تتشابك مصالح رجال الأعمال وأعضاء الحكومة والبرلمان فيما يترك الشعب لمواجهة مصيره بسبب الوضعين الاجتماعي والاقتصادي المتردي في البلاد.

غير أن الوضع اختلف ما بعد 25 يوليو 2021، حيث لا تبدو العلاقة جيدة بين السلطة ومنظمة الأعمال بسبب اتهامات تلاحق رجال أعمال بتحقيق مكاسب غير مشروعة.

بينما تحتدم معركة النفوذ بين أصحاب المال ودوائر القرار السياسي، يواصل التونسيون معركتهم اليومية مع ضغوط الأسعار والتضخم والفقر الذي يدفع بهم للاحتجاج في الشوارع للمطالبة بتحقيق مطالب الثورة الأساسية وهي التشغيل والتقسيم العادل للثروات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق