رئيسيسياسي

عوائق سياسية تسيطر على مشهد الحملة الانتخابية التونسية

يبرز مراقبون العوائق السياسية التي تسيطر على مشهد الحملة الانتخابية التونسية التي انطلقت يوم 25 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.

وبحسب المراقبين لا شيء في تونس يشيع الفرح السياسي والاحتفال الانتخابي والأمل في الوصول إلى السلطة كليّا أو جزئيّا، أو حتى الرغبة في تولي وظيفة المعارضة من داخل المنظومة الحاكمة ومراقبة من يحكم والحيلولة دون تغوّله واستفراده بالحكم والنزوع نحو الاستبداد، فتلك المفاهيم والمسمّيات لم تعد ذات دلالة ورمزية في القاموس السياسي لسلطة 25 جويلية (يوليو/ تموز).

إذ نجحت سلطة رئيس الجمهورية قيس سعيّد في تثبيت اللامعنى السياسي وشيطنة السياسة وترذيل الأحزاب ومنعها من الفعل العام، بالطرق الناعمة والزجرية وإلغاء أدوارها بواسطة التشريعات والنصوص القانونية المؤسّسة لحكم الرئيس.

وذلك على غرار دستور 2022 ومعظم المراسيم التي أصدرها في فترة حكمه الاستثنائية، حتى بلغ الأمر بأغلب مرشّحي الأحزاب المشاركة، على ندرتهم، إخفاء انتماءاتهم الحزبية ونكران هويتهم الأيديولوجية والسياسية.

فقد عمد قيس سعيد على إفراغ الحياة السياسية التونسية من المضامين والبرامج والروابط الوطنية التي تبلورت على مدى قرن ونصف القرن من عمل النخب التونسية ومساهمات قادة الرأي والفكر والسياسة.

وذلك لما تميّز به مرسومه الانتخابي من إكبارٍ لأصحاب المال وإعلاء شأن انتماءات ما تحت وطنية، الجهوية منها والمحلية القبلية والعشائرية، وجعلها مصدرا لشرعية الفوز بمقعد نيابي.

بعد أن ألغى نظام الاقتراع على القوائم الميتا – محلي واستبداله بالدوائر الفردية المنسجمة مع فكرة مجتمع الأفراد، الخالي من الأجسام الوسيطة، القائم على النظام القاعدي المُبشّر به رئاسيا.

والانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 17 الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول) قد طاولها الفساد السياسي والمال الفاسد قبل الوصول إلى يوم الاقتراع.

وشهد بذلك قيس سعيّد نفسه يوم 7 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) في أثناء لقائه رئيسة الحكومة، نجلاء بودن، مقرّا بـ”التلاعب بالتزكيات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب”، وبضرورة “وضع حد لهذه الظاهرة المتعلقة بالمال الفاسد، وتعديل المرسوم المتعلق بالانتخابات”، بعد أن “صارت التزكيات سوقاً تباع فيها الذمم وتُشترى”.

ورغم هذا الإقرار الصريح بعدم نزاهة الانتخابات التونسية من رأس السلطة التنفيذية، صاحب كل السلطات بموجب الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021، وبمقتضى دستور 25 جويلية، فإن النص المنظّم للانتخابات الذي أتاح التلاعب بالتزكيات بقي على حاله، وتمكّن من اشتروا الذمم من الترشّح في انتظار الحصول على مقاعد برلمانية.

أسّس النص ذاته لسلطان المال على العملية الانتخابية، عندما ألغى دور الدولة في التمويل العمومي للانتخابات، وأوكل الأمر إلى التمويل الذاتي والخاص، وفق صريح قول المرسوم الانتخابي في الفصل 75 جديد “يتم تمويل الحملة الانتخابية وحملة الاستفتاء بالتمويل الذّاتي والتمويل الخاص دون سواهما وفق ما يضبطه هذا القانون”.

ولن يفلح في شيء “جدول السقف الجملي للإنفاق على حملة انتخابات أعضاء مجلس نواب الشعب لسنة 2022” الذي نشرته الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، فخصخصة السياسة وتحويل الانتخابات والأصوات إلى سلعةٍ تباع وتشترى، باتا أمرا واقعا في تونس.

ويبدو أن الغلبة ستكون حليف المرشّحين القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية، للوصول إلى أكبر قدر من الناخبين، ولمَ لا الدفع نقدا لنيل رضى شرائح قابلة لبيع أصواتها في سوق الانتخابات، مثلما بيعت الإمضاءات في سوق التزكيات.

ولم تقتصر غرابة الانتخابات التونسية على قوانينها الزجرية وقيودها الإقصائية لمن سوّلت لهم أنفسهم الترشّح للمجلس النيابي.

وهو ما حوّل هيئة الانتخابات ومختلف فروعها الجهوية والمحلية إلى ما يشبه محاكم التفتيش التي لا يخجل أعضاؤها من الحكم على النيات والرغبات ومصادرة الأفكار والأفعال، قبل التعبير عنها ووقوعها.

وإثقال كاهل العملية الانتخابية بترسانةٍ من الأوامر والقرارات والمنشورات والإجراءات التي تجعل من المرشّح والناخب متهميْن إلى أن يُثبتا براءتهما، وإنما بلغت أوج العبث السياسي والانتخابي، عندما أتاحت لعشرة مرشّحين الاحتفال بتمكينهم من مقاعد برلمانية من دون حملة أو منافسة انتخابية، وبصفر من الأصوات إن اقتضى الأمر.

وهي مفارقةٌ لم يشهد تاريخ الانتخابات مثيلا لها، وذلك وفق مقتضيات الفصل 109 جديد من المرسوم الانتخابي “إذا تقدّم إلى الانتخابات مترشّح واحد في الدائرة الانتخابية، فإنّه يصرح بفوزه منذ الدور الأول مهما كان عدد الأصوات التي تحصّل عليها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق