
تطغى المخاوف من عودة الفاسدين على المشهد الانتخابي في تونس في ظل انطلاق الحملة الانتخابية التشريعية استعداداً لانتخاب أعضاء البرلمان الجديد.
وتتصاعد التحذيرات من السياسيين والمجتمع المدني من ترشح “بعض الفاسدين” وعودة القبلية إلى الانتخابات والبرلمان.
ومن المقرر أن تستمر الحملة الانتخابية ثلاثة أسابيع قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول وذلك في ظل مقاطعة واسعة للانتخابات.
وسيتنافس 1052 مرشحاً في 151 دائرة انتخابية بالداخل، موزعة على 24 ولاية، وثلاثة مرشحين فقط في الخارج، بينما بقيت 7 دوائر بالخارج دون مرشحين.
وحذرت منظمات وأحزاب من الثغرات التي شابت المرسوم الانتخابي الذي سنه الرئيس سعيّد بمفرده في منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، الذي فتح المجال أمام المال السياسي المقنّع، وبعض أصحاب النفوذ والوجهاء للترشح بسبب إلغائه التمويل العمومي للحملات الانتخابية.
وصرح رئيس حزب الراية الوطنية الوزير السابق مبروك كرشيد، أن “المعايير الانتخابية المعتمدة ليست موضوعية، ففي السابق كانت الأحزاب هي التي ترشح عموماً وتتحمل مسؤوليتها في الترشيح، أي أنه كان هناك فلتر سياسي ومصفاة اسمها الأحزاب، وكذلك رؤساء القوائم المستقلة كان لديهم اعتبار ورمزية لاختيار القائمة، والآن لم يعد هناك هذا الغربال والفلتر أو الحاجز للاختيار”.
وشدد كورشيد على أن “غياب هذا الأمر اليوم أدى لأن يصبح أي شخص لديه طموح يكفي أن يكون لديه مال فاسد ويريد حصانة برلمانية، فيجمع 400 تزكية وبوسعه أن يقوم بضخ أموال وشراء الذمم للصعود للبرلمان”.
كما أن “قائمة الترشحات تتضمن أسماء مشبوهة، وسيؤدي ذلك إلى وجود من لا يشرفون تونس ضمن البرلمان القادم”، مشيراً إلى أن “من بينهم تجار مخدرات وتجار خمر ومن لديهم شبهات ومهربون”.
من جهته أكد عضو المكتب التنفيذي لشبكة “مراقبون” المختصة في مراقبة الانتخابات سيف الدين العبيدي، أن “النظام الانتخابي يفسح المجال للعروشية والقبلية ولصعود أصحاب المال والنفوذ في البرلمان القادم، عبر أمرين بالأساس”.
أولاً بسبب تقسيم الدوائر الانتخابية التي تخضع لمنطق غير مفهوم، حيث يجمع في بعض الدوائر أكثر من معتمدية، ويصل حتى خمس معتمديات، ما يجعل الاقتراع والتصويت لا على البرامج بقدر ما سيكون اقتراعاً على أشخاص ينتمون لقبيلة أو عرش بعينه، أو حتى عائلة أو مدينة أو فئة.
وذكر أن “القانون الانتخابي ألغى التمويل العمومي القبْلي والبَعْدي للمترشحين، كما أن الأحزاب لا يمكنها أيضاً تمويل مرشحيها بشكل مباشر وشفاف ونزيه كما يفرض القانون، وهو ما يفتح الباب أمام من يمتلكون إمكانيات مالية ومادية كبيرة لتمويل حملتهم الانتخابية”.
وبين العبيدي أن “البرلمان القادم سيكون برلماناً ذكورياً حسب الترشحات المقدمة، حيث لا تتجاوز نسبة ترشح النساء 12%، وهذه النسبة ستتقلص، لأن الانتخابات ليست ترشحاً فقط”، لافتاً إلى أن “شروط الترشح صعّبت على المترشحات والمترشحين العملية لعدم تمكنهم من جمع التزكيات، نصفها من النساء وربعها من الرجال”.
وكان الرئيس قيس سعيّد قد حذّر بدوره من المال السياسي الفاسد ومن خطورة صعود المهربين والمحتكرين والمضاربين على الحياة السياسية.
وفي آخر لقاءاته برئيسة الحكومة وقبلها مع وزير الداخلية، أشار سعيّد إلى أن “المرسوم المتعلق بالانتخابات ينصّ على عقوبات جزائية، سواء بالنسبة إلى الراشي أو إلى المرتشي، ويجب الانتباه إلى ما يُدبر له البعض عن طريق المال الفاسد لشراء الذمم”، على حد قوله.
وفي 15 سبتمبر/ أيلول الماضي، أجرى الرئيس التونسي قيس سعيّد تعديلات على القانون الانتخابي الصادر عام 2014، باعتماد طريقة الاقتراع على الأفراد عوضاً عن القوائم، واعتماد مبدأ سحب الوكالة، وتقليص عدد النواب من 217 إلى 161، منهم 10 نواب عن الجالية بالخارج.
من جهتها اعتبرت حركة “النهضة” التونسية، أن “ما يسمى بالانتخابات التشريعية في 17 ديسمبر القادم مظهر من مظاهر الأزمة وجزء منها، ولا يمكن أن تكون جزءا من الحل، لأنها ستعمق الأزمة السياسية بالبلاد والحكم الفردي المطلق”.
وحذرت حركة “النهضة” من أن “الانتخابات التشريعية” ستؤدي كذلك إلى تعميق “عزلة تونس وتحديات الفقر والبطالة واهتراء القدرة الشرائية للتونسيين”، مضيفة: “ولأجل ذلك قاطعتها الحركة والغالبية الساحقة من الأطراف السياسية، وخاصة الجدية منها، كما يتعامل معها المواطنون والمواطنات بلامبالاة كاملة”.
والانتخابات التشريعية المبكرة المقبلة، في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، أحد إجراءات سعيّد الاستثنائية، سبقها حلّ البرلمان ومجلس القضاء وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقرار دستور جديد للبلاد عبر استفتاء أُجري في 25 يوليو/ تموز الماضي.



