اقتصادرئيسي

الانهيار الاقتصادي في تونس يكرس الفشل الحكومي

يجمع مراقبون على أن الانهيار الاقتصادي الحاصل في تونس يكرس الفشل الحكومي في وقت لم تعرف الدولة أزمات حادّة وبشكل متسارع مثلما عرفته في هذه السنوات الأخيرة.

وباتت الأزمة الاقتصادية في تونس تلقي بظلالها على الحياة اليومية، وهي أزمة تتجلّى في الصفوف الطويلة أمام محطات الوقود والمحلات التجارية وفقدان البضائع الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل غير طبيعي.

وبحسب مراقبين فإن الوضع الاقتصادي الحالي في تونس صدى فعلي لسوء التصرّف الحكومي، بالإضافة إلى غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع حالات العجز المالي للدولة، وما رافقه من عدم القدرة على استيراد المواد الأساسية.

وهو ما أثار ردود أفعال حادّة في الشوارع، تجسّدت في مظاهرات واحتجاجات في الأحياء الشعبية وبشكل متكرّر.

والغريب أن تونس لم تعرف أزماتٍ بمثل هذه الحدّة، سواء في زمن حكم زين العابدين بن علي أو في سنوات الحكم الديمقراطي.

وهو أمر يثير تساؤلاتٍ كثيرة بشأن حقيقة الأداء الحكومي وفشله في التعامل مع الأزمات. وفي غياب برلمان حقيقي يمكنه مساءلة الوزراء وإطلاع الرأي العام على حقيقة ما يجري، وتحميل كل طرف في السلطة مسؤوليته.

بموازاة ذلك تتصرّف الحكومة بنوع من اللامبالاة إزاء ما يجري، وهي تسخر كل جهودها من أجل الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض، وهو ما يفرض الاستجابة لاشتراطات الصندوق القاسية، والتي قد تزيد الوضع بؤسا.

وتترافق مع الأزمة الاقتصادية حالة توتر اجتماعي فشلت السلطة في احتوائها، بل وتعاملت معها بمنطق التجاهل، رغم خطورة التطورات التي يعرفها الشارع التونسي.

ويتجلى الأمر في جانبين: أولهما تصاعد عمليات الهجرة غير النظامية سواء عبر رحلات برية تتخذ من صربيا منفذا للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع هذه الدولة إلى اتخاذ قرار إلزام التونسيين بضرورة الحصول على التأشيرة قبل دخول أراضيها.

أو عبر قوارب الموت التي تتّخذ البحر سبيلا نحو الشواطئ الإيطالية، وهو ما أدّى، في أحيان كثيرة، إلى حصول كوارث بشرية، جديدها أخيرا غرق قارب ينقل شبابا مهاجرا، غالبيتهم من مدينة جرجيس.

وفي ظل سوء تصرّف الجهات الرسمية في البحث عن جثامين الغرقى، ثم دفنها الجثث التي جرى العثور عليها في مقابر الغرباء من دون تسليمها إلى الأهالي.

الأمر الذي أثار ردّة فعل واسعة لدى مواطني مدينة جرجيس، تجلت في احتجاجات ومظاهرات شعبية واسعة، ورفض أي تعامل مع ممثلي السلطة في الجهة، في ظل حالة من اللامبالاة الرسمية، والتي تعبر عن حالة انفصال تام بين السلطة الحالية وشعبها.

ثانيا شهدت الأحياء الشعبية وبشكل متواصل احتجاجات على ارتفاع الأسعار وغياب المواد الأساسية، ولم يكن رد فعل السلطة سوى استعمال أسلوب القمع والمنع عبر الأجهزة الأمنية.

ويكشف هذا التعامل مع الوضع الاجتماعي، في جانبيه سواء الهجرة أو غلاء المعيشة، بشكل أمني عن غياب الحلول السياسية وافتقار الأطراف الحاكمة أي تصوّر عن كيفية إدارة الأزمات أو طرح مبادرات لتخفيف الاحتقان الاجتماعي.

في المقابل، تستمر الأزمة السياسية بشكل متصاعد، فإجراءات 25 يوليو (2021) التي جاءت بدعوى حل الأزمات تحوّلت، من خلال سوء إدارتها، إلى مصدر لتوليد أزمات أخرى، بل وإلى مزيد من توتير الأوضاع.

وتحولت الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في شهر ديسمبر/ كانون الأول إلى مشهد معزول ضمن السياق العام للعمل السياسي والجمعياتي التونسي، بفعل ضعف التفاعل الشعبي والتشكيك في نزاهة العملية ذاتها.

وفي غياب الأحزاب، أصبحت السياسة بمنزلة لعبةٍ تخضع لأهواء الأفراد ومجموعات المصالح، وهو ما سيجعل أي برلمان قادم مجرّد هيكل خاوٍ وشكلي، غير قادر على محاسبة الحكومة، فضلا عن أن يكون له أي دور في تشكيلها وفق ما ينصّ عليه الدستور الجديد.

أسوأ مظهر للأزمة الشاملة التي تعرفها تونس حاليا طرق معالجتها، وإذا كانت الاختلافات السياسية والاحتجاجات الشعبية أمرا واقعا في أي مجتمع، خصوصا إذا أصبحت الحاجات المعيشية في حدّها الأدنى مفقودة، فإن أسلوب التعامل معها عبر تجاهلها وإنكار وجودها هو التعبير الأقصى لبؤس الشعبوية التي تدير البلاد حاليا.

وفي المقابل، فشلت المعارضة السياسية في إيجاد الصيغة المناسبة لإعادة بناء نفسها على أساس مطالب واضحة لاستعادة الديمقراطية الفعلية.

وهذا من أسباب عجزها عن تولي قيادة الشارع الاجتماعي الذي يتحرّك وفق غريزة البقاء، ولكن من دون أهداف محددة.

وفي اللحظة التي يتواءم فيها الشارع السياسي مع الشارع الاجتماعي، حينها فقط يمكن القول إننا بصدد متابعة تشكّل جديد للمشهد السياسي والاجتماعي في تونس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق