الثورة المضادةرئيسي

تحذيرات من برلمان عقيم في تونس يكرس استبداد قيس سعيد

تتصاعد التحذيرات من برلمان عقيم قد تنتجه الانتخابات التشريعية المقررة في تونس بما يكرس استبداد وتفرد رئيس الجمهورية قيس سعيد.

يأتي ذلك عشية الانتخابات التشريعية التي قرّرها قيس سعيِّد، في 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل في مسعى لتعزيز أدوات السيطرة المطلقة له على الحكم وإعلان نفسه دكتاتوراً.

وقد دعت قوى المعارضة التونسية إلى تنظيم احتجاجات ومظاهرات ضد انقلابه وسياسات قيس سعيد التي جوّعت الشعب التونسي، وأدخلت البلاد في المجهول.

ولم تكن للمظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها المناطق التونسية يومي الجمعة والسبت أن تنتظم وتتفاعل إلا بعد أن خلت سلال سعيِّد من الوعود، وبات يعيد على مسامع التونسيين الأسطوانة المشروخة ذاتها عن محاربة أعداء البلاد والمتربّصين بها وبأمنها.

وبات من الواضح أن الدولة أصبحت تشبه هذا الرئيس، فلا قوام لها ولا حراك فيها ولا خطّة تهديها للتغلب على المصاعب التي يواجهها الشعب.

وشهدت العاصمة وبعض المناطق مظاهراتٍ كبيرة دعت إليها جبهة الخلاص الوطني المكوَّنة من عدة أحزاب تونسية معارضة، وتزامنت مع دعوة مشابهة من الحزب الدستوري الحر.

ولم تمنع الإجراءات الأمنية المواطنين من التوافد إلى العاصمة من المناطق المجاورة، حيث احتشد آلاف المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة، في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، رافعين شعاراتٍ تندّد بالانقلاب وتدعو الرئيس إلى الرحيل.

وجاءت الدعوة إلى المظاهرات احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، والتي انعكست فشلاً في تحقيق التنمية وإيجاد فرص عمل.

ولفتت هذه الأحزاب إلى أن المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ضربت البلاد قد تفاقمت بعد تنفيذ الرئيس انقلابه على الشرعية الدستورية وتحييده القضاء لينفرد بالسلطة، غير آبه بما وصلت إليه البلاد من شح في الموارد والمواد الغذائية ومن أزمة وقود.

وأشارت إلى أنه بات ضروريا التحرك من أجل تغيير هذا الواقع، ومنع البلاد من الوصول إلى مرحلة الشلل التام، بعد أن تدهورت أوضاعها وازدادت نسبة الفقر والبطالة، وازداد الاحتقان الاجتماعي المنذر بالانفجار.

ويرى مراقبون أن هذا الواقع الذي تعيشه تونس ليس سوى نتيجة للأزمة السياسية التي دخلتها البلاد منذ اليوم الذي أعلن فيه سعيِّد عن تدابيره الاستثنائية، الانقلابية، في 25 يوليو/ تموز 2021، حين حل البرلمان المنتخب وأقال الحكومة، وصولاً إلى تعليقه العمل بالدستور وقراره إدارة البلاد بموجب مراسيم.

ثم أتبَع إجراءاته بحل المجلس الأعلى للقضاء، وصاغَ دستوراً جديداً على مقاسه، أراد له الشرعية بإجراء استفتاء صوري عليه، في 25 يوليو/ تموز الماضي، الدستور الذي جمع السلطة التنفيذية والتشريعية بيديه، مقدمةً لتكريس حكمه الفردي.

من جهته لم يتوقف قيس سعيد عن اتهام معارضيه بالخيانة والعمالة للخارج، إذ أضاف، خلال مشاركته في إحياء ذكرى الجلاء: “سنصنع جلاءً جديداً، ليس من قوى الاستعمار ولكن من عملاء الاستعمار”.

ومن المفارقة أن كلامه عن الجلاء “من عملاء الاستعمار” تزامن مع إعلان البنك الدولي في بيان أصدره يوم السبت أنه توصل إلى اتفاق مبدئي على مستوى الخبراء مع تونس لتمويلها بقرض قيمته مليار وتسعمئة مليون دولار مدة أربع سنوات، لمساعدتها على استعادة الاستقرار الاقتصادي وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والمساواة الضريبية.

وهو ذاته القرض الذي حذّرت منه عدة أحزاب معارضة، خشية أن يقود إلى تنفيذ وصفات هذا البنك التي عادة ما تؤدي إلى زيادة بؤس الفئات الشعبية، علاوة على فرض البنك سيطرته على موارد البلاد إذا ما فشلت الحكومة التونسية بسداد أقساط القرض.

تعيش تونس انسداداً في الأفق السياسي، بعد عجز الرئيس وحكومته ومحاولة هروبه من العجز بضرب معارضيه، أيضاً بعد أن باتت المعارضة غير قادرة على التأثير بسبب قانون الانتخابات الذي صاغه قيس سعيِّد ووضع العراقيل أمامها لحرمانها من القدرة على خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.

كما باتت غير قادرةٍ على تشكيل حكومة في حال قُيِّض لها خوض الانتخابات والفوز فيها بنسبة وازنة، لأن دستور سعيِّد الجديد لا يوفر لها هذه الفرصة، لأن رئيس الحكومة لا يأتي عبر الفوز بالانتخابات بل يعينه سعيِّد بمقتضى الدستور الجديد.

وإن أسلوب المقاطعة الإشكالي الذي اتبعَته لم ينفع، إذ ثبت أنه يقوي سلطات الرئيس بدلاً من إضعافه، فالدستور الجديد الذي صاغه سعيد وأقره بعد الاستفتاء الصوري أمّن لحكمه الفردي التغطية القانونية التي احتاجها، خصوصاً بعد امتناع المعارضة عن المشاركة بذلك الاستفتاء واغتنام فرصة رفضه.

قد يتكرّر الأمر مع الانتخابات المقبلة التي يمكن ألا تشارك المعارضة فيها، فتصل الكتل التي يريدها الرئيس إلى البرلمان ليصبح برلماناً عقيماً لا يقدّم ولا يؤخّر، أسوة بالحكومة الصامتة، وهو ما يناسب سعيِّد.

من هنا، واضحٌ أنه لم يُترك للمعارضة أي خيار سوى خيار التوجّه إلى الساحات وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات التي وحدها يمكن أن تُجبر الرئيس على وقف نهجه التدميري وربما الرحيل.

وإذ لوحظ تحوّل مطالب المحتجين من رفض تدابير سعيِّد إلى مطالبته بالرحيل، إلا أن هذا المسار يتطلب الكثير من العمل والحوار والتنسيق بين قوى المعارضة المتنافرة لكي يكون قادراً على مواجهة مسار سعيِّد الدكتاتوري المتعاظم وإيقافه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق