رئيسيسياسي

نهج الشعبوبة التسلطية لدى قيس سعيد والحكم بابتلاع الدولة

يبرز مراقبون ما يتبناه رئيس الجمهورية قيس سعيد من نهج قائم على الشعبوبة التسلطية التي لا تؤمن فحسب بدولة مركزية مفرطة، بل بحاكم يبتلع الدولة.

وبحسب المراقبين تؤكّد المراسيم التي يصدرها قيس سعيد هذه النزعة، فالقانون الانتخابي الذي أقرّه بمرسومه الخاص، والذي لم يستشر فيه أحدا تقريبا، حتى الذين والوه وناصروه من أحزاب أو شخصيات، يقسم التراب الوطني إلى ما يناهز 150 محلية.

والأرجح أنه تنظيم قاعدي، لا يضعف سلطة الدولة ولا يفتت هيمنتها، بل على خلاف ذلك، يشطر المجتمع إلى خلايا هزيلة، حتى تخترقها الدولة المركزية المفرطة، وهي دولة الرئيس. إننا على مشارف “أنا الدولة”، على غرار ما ردّده لويس الرابع عشر سنة 1661، وهو يتفه سلطة برلمان باريس.

تصدُر هذه المقولات حاليا عن طيف واسع من الحداثيين واليسار، وحتى القوميين، والأخيرون تحديدا كانوا قد افتتنوا بنموذج المستبد العادل طورا والمستبد الوطني طورا آخر، حين ناصروا جمال عبد الناصر وصدّام حسين من بعده، وها هم يناصرون بشار الأسد، لكونه، حسب اعتقادهم، يمثل مستبدّا وطنيا.

تؤكّد هذه الدعوات فشل النخب العربية في ترسيخ الديمقراطية في قناعاتها الذاتية، وهي نخب مستعدّة أن تضحي بها مقابل القضاء على خصم سياسي عجزت عن هزمه “ديمقراطياً”.

وتخفي مقولة المستبدّ العادل، وما تناسل منها من ألفاظ أخرى، على غرار المستبد المستنير، المستبد الوطني، عجزاً عن تبيئة الديمقراطية والقيام بمراجعتها، في أفق يدعم الحرية ودولة القانون والقيم المدنية.

يقدّم سعيّد نموذجا لسياسي شعوبي تسلطي مستعدّ أن يلتهم الدولة من أجل أن يحكم كما شاء، وهو لا شك يمنّي نفسه أن يضيف إلى نشيدنا الوطني بيت ابن هانئ الأندلسي:

ومنذ أيام، وفي غمرة التوتر الذي عاشته تونس على وقع الملاحقات القضائية لقيادات حركة النهضة، ومن بعدها الأمين العام لـ”التيار الديمقراطي”، غازي الشواشي، أعاد عضو مبادرة “مواطنون ضد الانقلاب” الحبيب بو عجيلة طرح ما كانت عرضته المبادرة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وما عُرف بـ”المؤتمر الوطني الديمقراطي”.

وتحدث بو عجيلة بوضوح عن الرهان السياسي الأهم في هذه المرحلة التي تعيشها البلاد. وأوضح في تدوينة على صفحته في “فيسبوك” أن “العلاقة بين جبهة الخلاص من جهة وخماسي الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية من جهة أخرى (التيار والجمهوري والتكتل والعمال والقطب)، وسائر الشخصيات الوطنية والقطاعات المهنية من قضاة ومحامين وإعلاميين أحرار ومثقفين تلتقي اليوم في وحدة الموقف من الانقلاب.

وهذه العلاقة تستطيع حالياً أن تتطور بطرح المواضيع الخلافية وحسمها عبر التسويات الكبيرة والتنازلات التاريخية الوطنية ووفق خيار لا غالب ولا مغلوب إلا ربح الوطن والديمقراطية، وإعادة البلاد إلى سكة المسار الديمقراطي من أجل الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي وتلبية انتظار الناس”.

وقد مرّت دعوة بو عجيلة من دون أن يتلقفها المعنيون من كل من ذكرهم سابقاً، ومن دون نقاش في تفاصيلها، مع أنها الرهان الأكبر اليوم في قلب هذه الأزمة التي تعصف بالبلد، والمخرج الوحيد لها، على عكس ما يتوهم منظرو الأحزاب وهم يمسكون بآلاتهم الحاسبة على أمل تقاسم الغنيمة.

وربما يحمل تفكير “مواطنون ضد الانقلاب” كثيراً من التفاؤل حين تدعو إلى تسويات تاريخية كبرى، التي تتطلب سمواً فوق الأيديولوجيا من ناحية، وبصيرة سياسية لإدراك حقيقة الأوضاع من ناحية أخرى، وشجاعة فكرية للقفز فوق مناكفات الماضي الصغيرة باتجاه الأهم.

ولهذا استطاعت مبادرة “مواطنون ضد الانقلاب” أن تتقدم وتؤسس لحركة معارضة ومقاومة حقيقية، جمعت شخصيات من تجارب مختلفة، واستطاعت أن تحقق ما فشل فيه التونسيون: الاجتماع على الرغم من الاختلاف والالتقاء على الأدنى في البداية، ثم التقدم خطوة خطوة وهدم المسافات والجدران.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق